في الوقت الذي تغزو التكنولوجيا كل أوجه الحياة المعاصرة، يزداد شغف الإنسان بالاستفادة منها في تغذية موارده العملية و الارتقاء بمداركه المعرفية ، سعياً نحو حاضر أفضل ومستقبل واعد. ويعتبر التعليم الإلكتروني من الاتجاهات التربوية والتقنية التي سوف تُحدث تغيرات مستقبلية إيجابية في مجال التربية والتعليم، وستؤثر على كثير من المسلّمات القديمة في المفاهيم والأفكار التربوية والتعليمية، مما دفع الدول الكبرى إلى أن تنفق الكثير من الأموال في سبيل الاستفادة منه.

و تقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن عدداً ليس بالقليل من الأسر الأميركية قد بدأت توجّه ناظريها ناحية التعليم الالكتروني كبديل للنمط التقليدي من التعليم داخل المدارس. فالمؤيدون لهذه الطريقة من التعليم الإلكتروني في المدارس الابتدائية و الثانوية في الولايات المتحدة، سواء بنظام الوقت الكامل أو جزء من الوقت، يمكن أن يؤرخوا لحقبة جديدة من التعليم ذي الطابع الشخصي الذي يمنح الطالب فرصة أفضل لتحقيق النجاح في دراسته. أما المعارضون لنظام التعليم الإلكتروني، فيرون أن هناك دليلاً محدوداً على فعالية هذا النظام.

وأشارت المجلة إلى أنه على الرغم من أن المؤسسات التعليمية الرسمية و المدارس غير الهادفة للربح تكثف جهودها نحو إنشاء صفحات لبيع منتجاتها من الوسائل التعليمية على شبكة الانترنت، فإن هناك المزيد من الطلبة في الولايات المتحدة ممن يحجمون عن التعليم التقليدي. ففي عام 1997، فتحت مدرسة "فلوريدا فيرتشوال سكول"، التي تعد أول مدرسة حكومية للتعليم الافتراضي في الولايات المتحدة، باب التقدم للدراسة الإلكترونية.

 إلا أنه بعد مرور عدة سنوات ،وبينما بدأ الاقتصاد الأميركي يترنح، عمدت 35 ولاية أميركية إلى خفض ميزانيتها في جميع المراحل التعليمية من الحضانة إلى سن السابعة عشرة و الثامنة عشرة في الصف الاثني عشر. ولجأت المدارس في هذه الولايات إلى التحول نحو التعليم الإلكتروني على نطاق أوسع، مدفوعة بأمل تخفيض تكلفة التعلم لكل طالب. وهناك في الوقت الراهن 30 ولاية تقدم خدمات التعليم الإلكتروني بنظام الوقت الكامل. وتفرض بعض الولايات، مثل ولاية تنيسي، نظام تلقي جميع الطلبة حدا أدنى من ساعات الدراسة عن بُعد.

ارتفاع كبير

ووفقاً لمؤسسة "إيفرغرين إديوكيشن غروب"، الاختصاصية في الاستشارات التعليمية والتي تتخذ من مدينة دورانغو بولاية كولورادو الأميركية مقراً لها، فإن هناك حوالي 250 ألف طالب في الولايات المتحدة تلقوا دراستهم بنظام التعليم الإلكتروني الخالص خلال العام الدراسي 2010-2011. ويشكل هذا العدد حوالي 0.5% فقط من ما يقرب من 55 مليون طالب في المستوى 12 بالولايات المتحدة، إلا أنه يعد ارتفاعاً بمعدل 25% مقارنة بالعام الدراسي السابق حيث يتوقع أن يواصل هذا العدد صعوداً.

يقول كيري رايس، الباحث في مجال التعليم عن بُعد بجامعة بواز في ولاية أيداهو الأميركية: "نتوقع نمواً متواصلاً إلى أن يتم تلقي منتصف الدورة الدراسية عبر الانترنت في المدارس الثانوية". وتشير دراسة تحليلية أجراها كلايتون كريستنسون، من كلية هارفرد للأعمال في بوسطن، إلى أن ذلك ربما يحدث بحلول مطلع العام 2019. من جانبه، يقول جون بيرغمان، وهو مستشار تعليمي في ولاية إلينوي، إن نموذج الفصل الدراسي الافتراضي شهد نمواً هائلاً في العام الماضي، مشيراً إلى الفكرة تقوم على تحرير الوقت الدراسي لصالح المشروعات الجماعية و التركيز الفردي.

يأتي ذلك في الوقت الذي تواصل مؤسسات تعليمية أخرى جهودها لاختبار هذا النظام. ففي ولاية ميتشغان الأميركية، قام غريغ غرين، وهو مدير مدرسة "كلينتولديل" الثانوية بإخضاع برنامج التعلم الألكتروني للتجربة العملية خلال العام الدراسي 2010-2011 على جميع الطلبة بالمدرسة و البالغ عددهم 600 طالب، كان الكثير منهم يواجهون خطر الفشل الدراسي أو التسرب من التعليم. فقد فوجئ بأن النظام الجديد قد ضاعف لقاء المدرسين بطلبتهم إلى أربعة أضعاف.

التطوير يطال التعليم

التطوير في شكل التعلم عن بُعد لم يشمل الدروس فحسب، و لكنه طال المؤسسات التعليمية أيضاً. فقد تحولت الكثير من المدارس في الولايات المتحدة إلى أنظمة إدارة تعليمية أكثر تطوراً، مثل اللوحات الإلكترونية والروبوتات التي يتم استخدامها لتتبع مستوى الطلبة و تسهيل عملية التعلم عن بُعد.

وتوفر هذه الحزم البرمجية التعليمية واجهة نموذجية بالنسبة للطلبة فيما يتعلق بتتبع الواجبات المكلفين بأدائها أو مشاهدة الفيديوهات أو قراءة محتوى الدورة الدراسية، و المشاركة في الحلقات النقاشية. كذلك فإن هذه الوسيلة تتضمن الاجتماع مع أطراف العملية التعليمية عبر الفيديو و إجراء نقاشات فورية.