تتسم عملية الإبداع بأنها ظاهرة على جانب من التعقيد، مع تباين واضح بين العلماء وعدم اتفاقهم على تعريف محدد لها. فبعضهم يقصدون بالإبداع القدرة على الإتيان بشيء جديد أو مبتكر تماماً "خارج عن المألوف" و إخراجه إلى حيز الوجود، وذلك من خلال القدرة على التخيل وأحلام اليقظة التي يتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات. وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن التقديرات العلمية تشير إلى أن الإنسان يقضي نحو 50 % من حياته في الشرود بذهنه خارج إطار العالم الواقعي إلى آفاق عقله.

واعتبر عالم النفس الشهير سيغموند فرويد هذا التقسيم "طفولياً"، فيما يخشى البعض الآخر من العلماء أنه قد يؤدي إلى «الذُهان». أما اليوم، فإن علماء النفس يعتبرونه إحدى علامات العقل السليم، لما يتيحه من التخطيط للمستقبل من خلال تخيل أحداث مختلفة. فهي خصلة تساعدنا في نقل طريقة عملنا وتعليم الأطفال وتنفيذ أعمالنا وتغذية أفكارنا.

وعندما يتعلق الأمر بالوصول إلى أفكار بارعة، فإن القدرة على التركيز يكون مبالغا في تقييمها. فلو أن عقل إنسان في حالة شرود، فإن ذلك يجعله متفوقاً على أقرانه في سلسة من المهام التي تحتاج إلى ومضات من التبصّر، بدءاً من ألعاب كلمات التخيل إلى تدريبات الابتكار والتفكير الأصلية. ولم يزعم علماء النفس الذين يعكفون على استكشاف فوائد أحلام اليقظة أنهم توصلوا إلى تركيبة لجميع الإنجازات الإبداعية. لكن النتائج التي توصلوا إليها تشير إلى أن تعلم كيفية تجاوز الخط الفاصل بين التركيز والتحليق بالفكر بعيداً يمكن أن يساعد على الوصول إلى إنجاز كان يمكن أن يفوت الإنسان لولا ذلك.

اكتشاف بالمصادفة

وأشارت "نيوساينتست"، في تقريرها، إلى أن أوائل علماء النفس الذين ركزوا اهتمامهم على شرود الذهن كان الأميركي جوناثان سكولار من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا. فقد كان في أحد الأيام ينصت إلى حديث يتعلق بالوعي ،عندما ذكر المتحدث كلمة "شرود الذهن". فانتابت سكولار حالة من الحيرة الشديدة، لدرجة أنه وجد من الصعوبة مواصلة التركيز. وفي هذا الصدد، يقول: "ظل ذهني شارداً بشأن مسألة شرود الذهن". ووجد أنه من الغريب أننا يتعين علينا دخول هذه الحالة بين الحين والآخر. و أضاف: "إنها حالة لهروب الذهن من الحاضر. ونحن نعيش هذه الحالة طيلة الوقت".

وساعدت تجاربه، التي قام بها بناء على ذلك، على معرفة عدد مرات تكرار هذه الحالة. ففي إحدى الدراسات، اضطر المتطوعون إلى قراءة مقتطفات من كتاب "الحرب والسلام" للأديب الروسي ليو تولستوي في مختبره. وبالإضافة إلى تسجيل اللحظات التي تشرد خلالها أذهانهم، فقد طلب منهم أيضاً تسجيل ما يجول بخاطرهم خلال هذه اللحظات. وفي النهاية، قام باختبار مدى استيعابهم للنص الذي قرأوه. وكشفت هذه الإجراءات عن أن هؤلاء الأشخاص كانت تشرد أذهانهم بعيداً عن الكلمات لأكثر من 20 % من وقت القراءة، و عادة ما يحدث ذلك دون إدراك.

وعندما نتعرض لمهام أخرى، تزداد قدراتنا الذهنية على الشرود. ففي دراسة حديثة، طُلب من أشخاص أن يسجّلوا حالتهم الذهنية خلال فترات عشوائية من النهار، من خلال أحد برامج الهواتف المحمولة الذكية، حيث تبيّن أن انتباههم يشرد بعيداً عن المهمة التي يقومون بها بنسبة تصل إلى 47 % من الوقت.

ومضات من الإلهام

وعلى امتداد وقت طويل، كان هذا النوع من الشرود الذهني سيعتبر فشلاً خطيراً. وبدلاً من ذلك، فإن القدرة على التخلص من حالات الشرود والتركيز على مهمة ما، والذي يسمى «التحكم التنفيذي»، اعتبرت أنها أقل من مستوى التفكير الذكي. وبما أن الحفاظ على تسلسل التفكير في مساره السليم هو أمر ضروري، فإن الذاكرة العاملة قصيرة الأجل تستخدم عادة في قياس التحكم التنفيذي. ومن خلال هذا الإجراء، فقد أظهرت دراسات عديدة أن الأشخاص الذين لديهم القدرة على التركيز بشكل جيد يميلون إلى التعامل مع المشكلات التحليلية، ذلك أنهم بارعون في القيام بمهام رياضية ومنطقية، وعادة ما يحرزون درجات متقدمة في اختبارات الذكاء.

طريقة مثلى

 

في الوقت الذي يتسم أداء الأشخاص ذوي المستوي المرتفع في التخيل بالبراعة في المسائل التحليلية، إلا أنهم يميلون إلى التصدي للمهام التي تتطلب ومضات من الإلهام. تقول جنيفر ويلي، من جامعة إلينوي في شيكاغو بالولايات المتحدة، والتي أجرت، أخيراً، بحثاً بعنوان "علم نفس التعلم و الدافع": "غالباً ما تكون الطريقة المثلى لحل المشكلات هي عدم التركيز". وتشير العديد من الدراسات إلى أن الأشخاص من أصحاب الذاكرة النشطة وبالتالي لديهم التحكم التنفيذي، يمكن أن يجدوا من الصعوبة حلّ هذه المشكلات أكثر من الأشخاص الذين يتعرضون للتشتيت الذهني بشكل أكثر سهولة.