في محاولة، وصفت بأنها حققت اختراقاً في علم الأحياء الكمبيوتري، تمكن باحثون من جامعة ستانفورد الأميركية من ابتكار أول نموذج كمبيوتري كامل لكائن حي.

وتقول مجلة «ساينس ديلي» الأميركية، في تقرير حديث لها، إن فريق الباحثين بقيادة البروفسير ماركوس كوفرت الأستاذ المساعد في علوم الهندسة الحيوية، استخدم بيانات أكثر من 900 بحث علمي لحساب تفاعل كل جزيء يجري في دورة حياة بكتيريا تسمى «ميكوبلازما جينيتاليوم»، وهي أصغر خلية بكتيرية حية في العالم.

ومن خلال احتواء مجمل هذا النموذج الكمبيوتري على مكوناته، تحقق الورقة البحثية هدفاً طال انتظاره منذ فترة طويلة في هذا المضمار.

نقطة انطلاق

وأشارت «ساينس ديلي» إلى أن النموذج المبتكر يحقق للباحثين هدف معالجة المسائل العويصة التي يصعب فحصها بصورة عملية، وهو يمثل نقطة انطلاق نحو استخدام التصميم بمساعدة الكمبيوتر في الهندسة الحيوية والطب.

يقول جيمس أندرسون، وهو مدير المعاهد الوطنية لمبادرات التنسيق والتخطيط الاستراتيجي: «إن هذا الإنجاز يدل على نهج في التحول إلى الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالعمليات البيولوجية الأساسية».

وأضاف: «النماذج الكمبيوترية الشاملة للخلايا الكاملة لديها القدرة على تعميق فهمنا للوظيفة الخلوية، وفي نهاية المطاف، لإعطاء معلومات عن مقاربات جديدة لتشخيص وعلاج المرض». وقد تم تمويل جزء من هذا البحث من قبل جائزة الريادة لمدير المعاهد الوطنية الصحية.

لقد اتسم علم البيولوجيا على مدى العقدين الماضيين بزيادة وتيرة الدراسات ذات الإنتاجية العالية التي تقدم كنوزاً دفينة هائلة من المعلومات الخلوية. نقص البيانات التجريبية لم يعد العامل الأساسي المحدود بالنسبة للباحثين. وبدلاً من ذلك، فإن علم البيولوجيا يتعلق بطريقة الاستفادة مما يعرفونه بالفعل.

ومع ذلك، فإن معظم التجارب البيولوجية لا تزال تأخذ نهجاً اختزالياً لهذه المجموعة الواسعة من البيانات، وتتمثل بانتزاع جين واحد ورؤية ما سوف يحدث. وأضاف كوفرت: «كثير من القضايا التي نهتم بها ليست مشكلات مقتصرة على بعض الجينات، بل نتيجة معقدة من مئات أو آلاف من الجينات التي تتفاعل بعضها بعضاً».

هذا الوضع أدى إلى فجوة كبيرة بين المعلومات والإدراك، وهو الأمر الذي لا يمكن معالجته إلا من خلال «جمع كل هذه البيانات في مكان واحد، ورؤية مدى تناسبها بعضها مع بعض»، وهو ما يقترحه جايوديتا سانغفي طالب الدراسات العليا في كلية ستانفورد للهندسة الحيوية والمؤلف المشارك في الدراسة.

وتعمل النماذج الحسابية المتكاملة على توضيح مجموعات البيانات التي لولا ذلك لكان حجمها المطلق وضعها خارج نطاق المعرفة البشرية. يقول سانغفي: «لا تدرك حقاً كيف يعمل شيء ما إلى أن تتمكن من إعادة إنتاجه بنفسك».

وتعتبر بكتيريا «ميكوبلازما جينيتاليوم» نوعاً من البكتيريا الطفيلية المحدودة، والمعروف عنها بالأساس أنها تظهر دونما توقع في الجهازين التناسلي والتنفسي للإنسان. لكنها لديها مصدر التميز المتمثل في احتوائها على أصغر خريطة وراثية لأي كائن حي، مؤلفة من 525 جيناً فقط ، في مقابل 4288 لبكتيريا إي كولاي، وهي عبارة عن جرثومة مختبر أكثر تقليدية.

بيانات هائلة

وعلى الرغم من صعوبة التعامل مع هذا النوع من الطفيليات التي تنتقل بالاتصال الجنسي، فإن بساطة الجينوم الخاص بها جعلتها محوراً لجهود عدة في مجال الهندسة الحيوية الحديثة. والأمر اللافت للنظر أن هذه الجهود تشمل أبحاث معهد «جي كريغ فنتر» في عام 2008 لتجميع أول كروموسوم اصطناعي.

يقول جوناثان كار، وهو مؤلف مشارك وطالب دراسات عليا في الفيزياء الحيوية في ستانفورد: «لم يكن الهدف التوصل لفهم أفضل لبكتيريا ميكوبلازما جينيتاليوم فحسب، بل من أجل فهم البيولوجيا عموماً».

وحتى في هذا المدى المحدود، فقد كانت كمية البيانات التي تمكن الباحثون في ستانفورد من دمجها داخل شفرة خلية افتراضية هائلة. واستفاد النموذج النهائي من أكثر من 1900 متغير تم تحديدها بشكل تجريبي.