دأب علماء الفلك على إدهاشنا بالاكتشافات المثيرة، التي تشمل كواكب جديدة ومجرات تقع في أقصى طرف الكون. لكنهم الآن في طريقهم إلى التوصل إلى أكثر الاكتشافات إثارة، وهو كون جديد تماماً، يقع فيما وراء كوننا الذي نعيش فيه. فعلى امتداد ألوف السنين، كان الفلاسفة يؤكدون على أن كل ما نراه هو جزء من فضاء شاسع يسمى الكون. وعلى مدار قرون ماضية، قام علماء الفلك بشكل منتظم برصد رحابة الكون، مستخدمين تلسكوبات متعاظمة القوة بهدف سبر أغوار هذا الفضاء. وقد بدا واضحاً أنه لا بد أن هناك حدوداً لما يمكنهم أن يرصدوه بأجهزتهم. ومنذ اكتشاف ظاهرة تمدد الكون، قبل حوالي قرن من الزمان، اعتقد الفلكيون أنه لابد أن هناك حداً نهائياً، وهو آخر حاجز تنحسر خلفه الأجسام بسرعة شديدة، لدرجة أن ضوءها لا يصلنا أبداً.
سبر أغوار الأفق
وتقول مجلة "فوكس" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن الأمر الأكثر إثارة الآن هو إمكانية وصول علماء الفلك إلى سبر أغوار هذا الأفق البعيد، ما سوف يقود إلى وجود المزيد وراء هذا الكون. ووفقاً لأحدث النظريات بشأن القوى التي تحكم الأكوان، فإن ما اعتبر أنه الكون ربما يكون في واقع الأمر كوناً واحداً فحسب، في عدد لا متناهٍ يشكّل شيئاً أكبر من ذلك بكثير، وهو الكون الحقيقي، أو ما يطلق عليه "الكون المتعدد". ويعتقد الفلكيون أن المرصد الدوّار، الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية في عام 2009، ربما يكشف عن هذا الكون المتعدد.
المرصد الذي أطلق عليه اسم "بلانك" تيمناً بالعالم الفلكي الألماني بلانك رائد الفيزياء الحديثة، يحمل أدوات تقيس الإشعاع الذي خلفه الانفجار الكبير قبل 14 مليار سنة. ومنذ اكتشافه في منتصف عقد الستينات، فإن خصائص هذا الإشعاع الذي يعرف باسم "خلفية الميكرويف الكوني" أو "سي إم بي"، استخدم للكشف عن مجموعة من الخواص تتعلق بالكون، مثل عمره وحجمه وكثافته. ويعتقد الفلكيون أن هذا المرصد ربما يقدم المزيد، ليكشف عن وجود أكوان أخرى وراء كوننا.
يقول ستيفن فيني، وهو عالم فلك في جامعة لندن: "إن الملاحظات التي أنجزها الميكرويف الكوني تدعم بشدة فكرة أن كوننا بدأ بفترة من التمدد السريع، التي تسمى الآن بالتضخم. فالنظريات الحالية في فيزياء الطاقة العالية تشير إلى أنه ليس التضخم وحده هو الممكن، لكنه يعني أيضاً أن كوننا ربما يكون واحداً من عدد من الفقاعات المتمددة التي تشكل ما يسمى بـ "الكون المتعدد".
وتتركز هذه النظريات على المحاولات التي تشكّل ما يسمى بـ "نظرية كل شيء" وهي عبارة عن مجموعة من المعادلات الحسابية التي تصف جميع القوى العاملة في الكون، جنباً إلى جنب مع الأنواع المختلفة من الجسيمات. ويعد إنشاء هذه النظرية هو الكنز المفقود في الفيزياء النظرية، لكن لم يفطن إليها أينشتاين نفسه.
آثار على الكون
وأوضحت "فوكس"، في تقريرها، أن هناك اعتقادا متزايدا الآن بأن أسس نظرية "كل شيء" ترتكز على ما يسمى بنظرية "الوتر". ووفقاً لهذه النظرية، فإن اهتزازات المواد متعددة الأبعاد الغريبة المعروفة باسم "الأوتار" تقود إلى القوى والجسيمات الفضائية التي نلاحظها. ويرى دكتور ماثيو جونسون، وهو عالم فيزياء نظرية في معهد "بيرميتر" في كندا، أنه على الرغم من كونها صغيرة الحجم على نحو لا يصدق، فإن الأوتار يتوقع أن تكون لها آثار على الكون كله.
ويضيف: "أي نظرية، مثل نظرية الوتر، تتسق مع ما نرصده اليوم، فإنها تدعم ظاهرة التضخم الدائم، وبالتالي ينطبق الأمر نفسه على الكون المتعدد". ويرجع ذلك إلى أن النظريات التي تتضمن الأوتار تسمح لمجالات القوة المضادة للجاذبية لكي تنبعث من العدم، حيث تعمل كل منها على توليد أكوان فقاعية، والتي تسفر هي نفسها عن المزيد، وتؤدي إلى نشأة كون متعدد.
تكتلات نجمية
لا عجب أن تثير نظرية الوتر جدلا كبيراً. فقد كانت من الأمور المثيرة للحيرة منذ وقت طويل في حقيقة أنها تسمح للأوتار بالقيام بعدد كبير من الترتيبات المختلفة، تؤدي جميعها إلى قوى وجسيمات ذات خواص مختلفة بشكل شاسع. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن هناك ما لا يقل عن عشرات المليارات من المجرات والتكتلات النجمية. ويعد هذا رقماً هائلاً على نحو لا يمكن تخيله من الاحتمالات، والمعروفة باسم "مشهد الأوتار".
