بعد عقود من المجهود المكثف لمحاصرة مرض فقدان المناعة المكتسبة «الإيدز»، تركز اهتمام الخبراء في مجال مكافحة هذا المرض على محاولات إيجاد العلاج الملائم له. وتقول مجلة «إيكونوميست» البريطانية، في تقرير حديث لها، إن السؤال الذي تردد خلال المؤتمر الدولي التاسع عشر حول الإيدز الذي أنهى أعماله في العاصمة الأميركية، واشنطن، أخيراً، هو: «هل يمكن الشفاء من مرض الإيدز؟». فقد ركزت أعمال المؤتمر على المحافظة على قوة الدفع الكامنة وراء هذه الحملة للصحة العامة الأكثر نجاحاً في السنوات الثلاثين الماضية، والمتمثلة في ترويض مرض كان يوماً ما فتاكاً ولا يزال، وذلك من خلال بضعة أقراص يومياً.
أرقام دالة
وخلال العام الماضي، قضى 1.7 مليون شخص من جراء هذا الوباء القاتل، لكن هذا الرقم يسجل انخفاضاً من 2.3 مليون شخص لقوا حتفهم بسببه في عام 2005، ويتوقع أن يستمر الرقم في الانخفاض. والآن، هناك بعض الناس الذين بدؤوا في النظر إلى أبعد من العقاقير مضادات الفيروسات الارتجاعية التي جلبت هذا النجاح. ويتساءلون عما إذا كان هناك شيء آخر يمكن أن يقدم ما هو أفضل. فالعقاقير تؤتي الجدوى منها وتنخفض أسعارها سنوياً، حيث أشار تقرير صدر خلال المؤتمر من قبل مؤسسة كلينتون، وهي مؤسسة أميركية للأعمال الخيرية الصحية العالمية إلى أن الكلفة السنوية للعلاج هي 200 دولار، بعد أن كانت ألف دولار.
ولكن بمجرد البدء باستخدام الأدوية فإن ذلك يعني تناولها مدى الحياة. أما التوقف عن أخذ الدواء، فإن هذا يعني أن الفيروس يزحف من ثقوب خلوية لا يمكن للعقاقير المضادة للفيروسات الوصول إليها، وسرعان ما يتملك المرض من الإنسان. ولهذا آثاره على المرضى، الذين تقيدت حياتهم بسبب الحاجة المتواصلة إلى الدواء، وبالنسبة لدافعي الضرائب الذين يتحملون معظم تكاليف هذا العلاج إلى أجل غير مسمى، فإن الكثير منهم لا يعيشون في العالم الغني، ولكن في البلدان الأكثر معاناة.
ويشير تقرير حديث من برنامج الأمم المتحدة المكلّف بمكافحة مرض الإيدز إلى أن أكثر من نصف تكاليف العلاج والوقاية من مرض الإيدز تتحملها هذه الدول حالياً، بدلاً من الوكالات الدولية. وفي الوقت الذي تواجه العديد من هذه الدول معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، فإن هذه التقديرات صحيحة وسليمة. لكنها تعني أنها هي أيضاً لها مصلحة قوية في إيجاد العلاج.
الطريق إلى برلين
من هذا المنطلق، يجري سباق نحو كيفية فصل الفيروس من أماكن اختبائه والتخلص منه تماماً. تشير دلائل عدة إلى أن إيجاد العلاج قد يكون أمراً ممكناً، لكن لا أحد يعرف السبيل إلى ذلك.
يمر أحد هذه السبل في العلاج عبر مواطن ألماني يدعى تيموثي براون، الذي كان مريضاً في برلين، وقد خضع لعلاج جذري من سرطان الدم في عام 2007. وتطلب هذا تدمير جهازه المناعي، الذي يعتبر مصدراً للسرطان، والاستعاضة عنه باستخدام الخلايا الجذعية المزروعة من النخاع العظمي من متبرع، الأمر الذي سمح له بنمو جهاز مناعي جديد، لكنه غريب.
لم يكن براون يعاني سرطان الدم فحسب. فقد أصيب أيضاً بفيروس نقص المناعة الإيدز، حيث أجرى طبيبه، بعد الحصول على إذن براون، تجربة تتمثل بالحصول على متبرع لديه طفرة جينية نادرة تمنح الحصانة من العدوى بفيروس نقص المناعة البشرية عن طريق تعطيل بروتين موجود على أسطح الخلايا يسهل دخول الفيروس نفسه إلى الخلية. وبعد عملية الزرع هذه، تبيّن أن الفيروس قد اختفي من جسم براون. وتم العثور على آثار للجينات الفيروسية، أخيراً، لكن هذه قد تكون عبارة عن تلوث، وعلى أي حال فهي لم تصل إلى حد كونها فيروسات كاملة. وعلى الرغم من ذلك، فلا شك أن براون لم يعد يحتاج إلى عقاقير للبقاء في صحة جيدة، وليس بحاجة إليها لمدة خمس سنوات.
الجانب الأخلاقي
ليس هناك من يقترح عمليات زرع لجهاز المناعة من أجل علاج الإيدز. فهي تتسم بكونها خطرة للغاية ومكلفة. النقطة المثيرة للاهتمام بشأن الإجراء الذي تم اتخاذه مع المريض براون، هو أنه كان من المتوقع أن يدمر بشكل مباشر أحد أماكن اختباء الفيروس، وهي خلايا جهاز المناعة متخفية في حالة سكون بوصفها ذاكرة الجهاز. وهي تسمح بالتعرف إلى حالات العدوى التي حدثت في الماضي والتعامل معها. أما الخزانات الأخرى، خاصة الخلايا المعينة في الدماغ، لم تكن لتتأثر بشكل مباشر، وبالنسبة لحالته فإن فحص دماغه لمعرفة ما يجري بداخلها تعتبر مسألة غير أخلاقية على الإطلاق.
