تشكل حشرات البعوض الناقلة لمرض الملاريا أحد أكبر الأخطار على صحة الإنسان، نظراً لما يسبّبه هذا المرض من الفتك بأرواح ألوف البشر سنوياً على امتداد العالم، معظمهم من الأطفال.
ووفقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية، فإن الملاريا هي عبارة عن مرض تسبّبه طفيليات من فصيلة المتصوّرات التي تنتقل بين البشر من خلال لدغات أجناس بعوض الأنوفيلة الحامل لها التي تسمى "نواقل الملاريا". وتقول مجلة "فوكس" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن انتشار الملاريا يأتي في الوقت الذي تزداد المخاوف من أن الكثير من العقاقير المعالجة للمرض قد بدأت تفقد فعاليتها. ويقول دكتور روبرت نيومان، وهو مدير البرنامج العالمي لمكافحة الملاريا التابع لمنظمة الصحة العالمية: "مقاومة المرض للعلاج هو خطر كبير. إننا نعلم تاريخياً أننا كلما نجحنا في التغلب على الملاريا، فإن الدرس المتواضع الذي نتعلمه هو أننا نتعامل مع طفيلي شديد المكر".
وأشارت مجلة "فوكس" إلى بيانات منظمة الصحة العالمية، التي تفيد بأن الوفيات الناجمة عن الملاريا قد ارتفعت بنسبة 25 % على مدار العقد الماضي. وللمرة الأولى في تاريخه، فقد وصل مصل الملاريا إلى مرحلة نهائية من الاختبارات السريرية. كذلك، فإن هناك عدداً من الأسلحة الواعدة الجديدة التي يجري تطويرها لمكافحة البعوض المسبب للمرض، والتي تتراوح بين استخدام أشعة الليزر التي تقضي على الحشرة في منتصف رحلتها، وصولاً إلى الفطر الذي يعرقل طفيل الملاريا. ويتابع نيومان بالقول: "أمامنا فرصة رائعة.
فمن خلال التغطية العالمية بالوسائل الحالية، و بواسطة الأدوات الحديثة التي يجري تطويرها، يمكننا إنقاذ الملايين من البشر في المدى القريب، وربما نكون قادرين على التخلص من الملاريا في غضون الأربعين سنة المقبلة".
مشكلة عالمية
اليوم يواجه حوالي نصف سكان العالم خطر التعرض للإصابة بالملاريا، حيث تعد منطقة جنوب الصحراء الإفريقية واحدة من أكثر المناطق تعرضاً لهذا المرض في العالم. فهناك حوالي أكثر من نصف مليون شخص يموتون بسبب الملاريا كل عام، وأكثر من مليوني شخص مصابون بالمرض. ولا تزال الملاريا تشكّل خطراً في الدول الخالية من المرض أيضاً، ذلك أن هناك، على سبيل المثال، حوالي 1800 مسافر بريطاني يعودون إلى بلادهم وهم ناقلون للمرض كل عام، منهم 9 أشخاص يحتمل أن يموتوا. في الوقت نفسه، فإن "الملاريا الطيّارة"، التي تنتقل عبر المطارات من البلد الذي يتفشى به المرض إلى بلد آخر غير مصاب به، يتوقع أن تصبح مشكلة أكبر في الوقت الذي ترتفع درجة الحرارة عالمياً.
وتحدث الإصابة بوباء الملاريا من خلال طفيل يسمى «البلازموديوم»، وهو يعيش في الغدد اللعابية لبعوضة "الأنوفيلة". وعندما تقوم البعوضة بلدغ الجسم المستهدف، فإنها تفرغ اللعاب لتنقل مئات الطفيليات داخل دم الضحية.
ومن هنا، تبدأ الطفيليات في رحلة الوصول إلى كبد المريض حيث تقوم بإنشاء مواطن لها داخل خلايا الكبد، حيث تنمو وتتكاثر في غضون أسبوع من وصولها إلى الكبد. وبمجرد وصولها إلى مرحلة النضج، ربما تبدأ ملايين البويضات من بعوض البلازموديوم في الهجوم على كرات الدم الحمراء داخل جسم الضحية ما يعوق وصول الأكسجين إلى الأعضاء الحيوية من الجسم.
ويتسم الطفيل وحيد الخلية الدقيق بالبراعة في التخفي. فمن خلال تغيير البروتينات الموجودة على سطحه، فإن طفيل البلازموديوم يكون قادراً على تغيير شكله بانتظام حتى يتحاشى التعرف إليه بواسطة الجهاز المناعي للجسم. وتتسم جيناته المؤلفة من 5 آلاف جين بقدرتها على التحول باستمرار وتطوير مقاومة ضد جميع أنواع العقاقير المستخدمة في مقاومتها. وكنتيجة لذلك، فقد ساد اعتقاد بصعوبة القضاء على مرض الملاريا.
إنجازات وشيكة
وأوضحت "فوكس" أن مجموعتين من الباحثين على وشك إنتاج مصل مقاوم للملاريا، يعتمد أول نوع منها على ظاهرة غريبة تم اكتشافها خلال عقد السبعينيات. فقد لاحظ الباحثون أنه عندما تعرض البعوض لإشعاع خاطف، فإن ذلك يؤدي إلى تدمير الشريط الوراثي لبعوضة "البلازموديوم" الموجود في غدتها اللعابية.
يقول ستيفن هوفمان، الرئيس التنفيذي لشركة "ساناريا" لأبحاث أمصال الملاريا: "تبيّن أن الأشخاص الذين لدغوا من هذا البعوض الذي تعرض للإشعاع طورت أجسامهم مناعة مضادة".
مصل مضاد
يعمل الإشعاع على منع الطفيليات من النمو بشكل طبيعي. وهذا يحول دون قدرتها على تغيير أشكالها التي تمكنها من غزو جهاز المناعة للضحية. ونظراً لأنها تظل كما هي، فإن أجسامنا تكون قادرة على التعرف إلى الطفيليات باعتبارها كائنات ضارة غريبة وتطور رد فعل مناعي ضدها.
وعلى امتداد العقد الماضي، عكف دكتور ستيفن هوفمان، الرئيس التنفيذي لشركة "ساناريا" لأبحاث أمصال الملاريا، على محاكاة هذا الأثر وتطوير مصل مضاد، وذلك من خلال استخدام "البلازموديوم" المستخلصة من العصارة اللعابية للبعوض الذي تعرض للإشعاع.
