في الوقت الذي تزداد حركة الاحتجاجات المناهضة للمخلفات الإشعاعية النووية، على امتداد العالم، عادت قضية النفايات المشعة إلى الواجهة مجدداً ،في الآونة الأخيرة، من خلال اعتراض نشطاء في مجال الدفاع عن البيئة في ألمانيا لقطار كاستور الذي كان يحمل 2500 طن من المخلفات النووية للتخلص منها في منطقة سهلية بشمال ألمانيا.

وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن النشطاء احتجوا على أن نقل مثل هذه المواد الخطيرة بهذه الطريقة ينطوي على مخاطرة كبيرة، ذلك أنه تم الاحتفاظ بها في مخازن مؤقتة دون خطة مستقبلية لها، فهل هناك خيار آخر لتلك النفايات؟

من الممكن في حال بدء العلماء و المهندسين في اختبار وسائل من شأنها تحويل المواد ذات الخصائص الإشعاعية شديدة الخطورة إلى مواد أخرى، فإن إنتاج عناصر أقل تفاعلية سوف يلبي هذا الوعد. ويعد هذا الأمر أشبه بالحلم القديم بتحويل الرصاص إلى ذهب. ولكن بينما كان لدى الكيميائيين القدامى حجر الفلاسفة الأسطوري، فإن القائمين على تحويل النفايات المشعة اليوم يثقون بمسرعات الجسيمات لتحقيق هذا الغرض. فهل سيكون بمقدور هذه المسرّعات تحقيق مزيد من النجاح؟

سر شديد الخصوصية

لا تعتبر النفايات عالية الإشعاع سراً شديد الخصوصية في الصناعة النووية. وليست ألمانيا وحدها التي تعاني من المشكلة، ذلك أن المخزون العالمي منها يزيد على 10 آلاف طن ،أو ما يعادل حوالي 26 ألف متر مكعب من الوقود النووي المستهلك ،الموجود في المنشآت النووية في 75 موقعاً على امتداد البلاد، في الوقت الذي يتواصل الصراع السياسي المحتدم بشأن مصيرها النهائي. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الإرث المثير للجدل بحلول العام 2050، فيما يتضاءل حجمه مقارنة بالنفايات النووية شديدة الخطورة التي خلّفتها برامج الأسلحة النووية للولايات المتحدة.

وتدين النفايات النووية بالفضل في وجودها لأنشطة النيوترونات، وهي عبارة عن جسيمات شبه ذرية توجد في نواة جميع العناصر، فيما عدا الهيدروجين. وبالنسبة لذرات اليورانيوم-235، وهي العنصر النشط في الوقود النووي، فإنها تحتوي على 143 نيوترون الأمر الذي يجعلها أقل ثباتاً بشكل كامل. وبمرور الوقت، تمر كتلة اليورانيوم-235 بحالة التحول الخاصة بها ببطء، حيث تنقسم النّوى إلى جزأين فيما يعرف بعملية الانشطار، حيث يسفر عن ذلك زوج من النيوترونات ومقدار كبير من الطاقة. و لو أن واحداً من هذه النيوترونات ارتطم بذرة يورانيوم-235 مجاورة، يمكن أن تنقسم هي الأخرى لتنتج المزيد من النيوترونات، و هلم جرا. وتكون النتيجة حدوث تفاعل متسلسل ذاتي الطاقة.

الانشطار النووي

وتبدأ المشكلات عندما لا يحدث الانشطار. فهناك 95% من الوقود النووي المستهلك لا يزال في صورة يورانيوم، وهو اليورانيوم-238 بالأساس، وهو عبارة عن نظير غير قابل للانشطار لكنه مشعّ حيث يهيمن على المعادن النفيسة. ويمكن أن يتم استخراج اليورانيوم وإعادة معالجته على شكل وقود في مفاعلات كتلك الموجودة في لاهاي، لكنها عملية مكلّفة للغاية. ويعد اليورانيوم المستخرج حديثاً أقل تكلفة، لذا فإن معظم الدول تترك الوقود المستهلك على حاله. وسواء تتم معالجته أم لا تتم، فإن هذا الوقود يحتوي على نفايات أخرى أقل تفاعلاً. وأحياناً، عندما تصطدم ذرة يورانيوم بنيوترون داخل مفاعل نووي، فإنها تمتصه على الفور.

ويمكن أن تحدث هذه العملية لأي ذرة مرات عدة، مما ينجم عنه عناصر أثقل وزناً، بما فيها البلاتينيوم والأميرسيوم و النبتونيوم. وتعد هذه "الأكتينيدات الثقيلة" السلسلة الحقيقية في التسلسل النووي. وبقاؤها حتى الآن منذ آلاف السنين يعني أنها سوف تبقى مشعة على نحو خطير لعشرات أو مئات السنوات، أي بعد فترة طويلة من نضوب عناصر النفايات النووية الأخرى.

وفي حال أنتجت النيوترونات هذه النفايات مرتفعة المستوى، فإنها تقدم وسيلة أيضاً للتخلص منها. و لو أن النيوترون اصطدم بذرة أكتينيند ثقيلة بصورة كافية، فإنها تعرض تلك الذرة للانشطار أحيانا.

التخزين والسلامة

 

يقول جيف باركس، وهو مهندس نووي في جامعة كامبردج: تعتبر منتجات الانشطار النووي كثيرة و متنوعة. جميعها تقريباً مشع، لكن أعمارها النصفية هي أقصر بشكل عام. وتحتوي النفايات في معظمها على نظائر مشعّة مثل كريبتون-85 أو السيزيوم-137 والتي تصل أعمارها النصفية إلى 11 عاما و 30 عاماً على التوالي.

ولا بد من تخزين هذه النظائر لمئات من السنين حتى تنخفض درجة نشاطها بالقدر الذي يسمح باستخدامها بشكل آمن. وعلى الرغم من أن ذلك لا يزال يثير المشكلات، لكنه لا يشكل عبئاً على الأجيال المستقبلية. وهذا ما سوف يحقق الوعد بتحويل النفايات النووية المشعّة.