شهدت العقود الأخيرة تسابقاً محموماً بين مراكز الأبحاث المنتجة للعقاقير الطبية للاستفادة مما تجود به الطبيعة من نباتات وأعشاب يمكن من خلالها استخلاص مركبات دوائية ذات فعالية تكون أكثر نفعاً وأخفّ ضرراً. وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن حلم جعل النباتات تنتج أدوية بات أمراً واقعاً، في نهاية المطاف، ولكن ليس بالطريقة التي يتوقعها معظم الناس. ففي أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي، ابتكر طبيب أسنان بريطاني يدعى جوليان مان عقاراً له القدرة على التخلص من البكتيريا المسببة لتسوس الأسنان دون المساس بباقي مكونات الفم.
وأشارت "نيوساينتست" إلى أن العقار الذي ابتكره جوليان كان يتكون من أجسام مضادة ذات فعالية في وقف نشاط البكتيريا الضارة الملتصقة بالأسنان. لكن الأجسام المضادة لا يمكن أن تنتج إلا بواسطة خلايا حية. ولولا وجود وسيلة لإنتاج الأجسام المضادة بكميات كبيرة، لما كتب لهذا العقار أن يرى النور. وقبل سنوات، وتحديداً في عام 1990 عندما حصل جوليان على درجة الدكتوراه، بدا أن هناك حلاً يطرح نفسه.
فقد تمكن فريق من الباحثين في كاليفورنيا من استخلاص أجسام مضادة من أحد النباتات، الأمر الذي دفع بجوليان للسفر إلى هناك. ويقول: "كان ذلك مصادفة، ولكنها جاءت من الحاجة للبدء في انتاج شيء من شأنه أن يمكن استخدام معجون الاسنان من قبل الملايين و المليارات من الناس". وبالفعل، فقد وجد نفسه يشارك في ولادة علم جديد وهو "العقاقير النباتية"، لتبدأ معه أحلام كبيرة. وكان الأمل الرئيسي هو انتاج لقاح صالح للأكل، والذي استهدف إنقاذ حياة الملايين في الدول الفقيرة من خلال جعل تعاطي الدواء أمراً بسيطاً مثل تناول الفاكهة.
أدوية بأسعار زهيدة
ومن خلال جعل الأدوية المتطورة تباع بأسعار زهيدة، فإن العلم الحديث قادر على فتح أبواب جديدة. يقول جوليان: "ماذا لو أردت أن تستحم في جسم مضاد لمقاومة مرض العنقوديات المذهبة؟". ويضيف: "يمكنك أن تبدأ في التساؤل حول المكان الذي يمكن استخدام الأجسام المضادة في الحالات الجديدة. ويمكن أن تحل مكان المضادات الحيوية بشكل كامل".
بالطبع فإننا لم نتوصل إلى ذلك حتى الآن. لكن ثورة الأدوية النباتية اندلعت، أخيراً. وللمرة الأولى، تمت الموافقة على اعتماد بروتين دوائي منتج من النباتات في الولايات المتحدة، ولايزال كثير من الأدوية قيد الدراسة. فالثورة لا تحدث تماماً بالطريقة التي كان يتصورها الرواد الأوائل في هذا المضمار. ويعود جانب من السبب وراء التباطؤ الشديد في انطلاق علم العقاقير النباتية إلى التكنولوجيا. فهناك الكثير من الأدوية التي يتم استخراجها بالفعل من النباتات، لكن عادة ما تكون عبارة عن جزيئات صغيرة تنتج بشكل طبيعي بكميات كبيرة.
وتعتمد عملية جعل النباتات تنتج البروتينات الخارجية مثل الأجسام المضادة على الهندسة الوراثية، وهي عملية بطيئة تنطوي على النجاح والإخفاق. في البداية يتعين إضافة الجينات المطلوبة إلى الخلايا، ثم زراعة النباتات منها وهي عملية تستغرق شهوراً.
عند هذه المرحلة، ربما نكتشف أن أياً من النباتات لم ينتج ما يكفي من البروتين المطلوب، أو أن البروتين ليس له الأثر المطلوب. وحتى لو سارت الأمور بشكل جيد، لا يزال يتعين تهيئة ظروف نمو صحيحة لتوفير إنتاج واسع النطاق. يقول جورج لومونوسوف، الباحث في مركز "جون اينز" في نورويتش ببريطانيا: "يمكن أن تستغرق المسألة سنوات عدة في كثير من الأحيان".
التعديل الوراثي
وبسبب هذه القضايا، فقد اختار الكثير من القائمين الأوائل على عملية إنتاج العقاقير النباتية تعديل الشريط الوراثي لمواد غذائية مثل الذرة، على الرغم من أنهم لم يستهدفوا تقديم منتجات صالحة للأكل. وتعتبر النباتات الغذائية أسهل بكثير في العمل نظراً لأن هناك الكثير من المعرفة والخبرة التي يمكن التعامل معها. غير أن هذا القرار جعل من الصعوبة الحصول على تصريح لزراعة النباتات المعدّلة في حقول مفتوحة. وأعرب بعض من العامة عن غضبهم إزاء مسألة تعرض طعامهم للتلوث، ووافق العديد من العلماء على أن المحاصيل غير الغذائية فقط هي التي يتعين استخدامها لإنتاج الأدوية.
تداعيات كبيرة
في عام 2001، قام أحد المزارعين بولاية نبراسكا الأميركية بزراعة الذرة المعدّلة لإنتاج مادة لصالح شركة "بروديجين". وفي عام 2002، عندما قام بزراعة فول الصويا لإنتاج الغذاء، ظهرت بذور الذرة المتبقية من العام السابق، حيث تبين أنها كانت تنمو وسط الصويا. وقد أحدثت هذه الواقعة المثيرة للجدل تداعيات كبيرة.
فقد أدت إلى توقف مفاجئ لمشروعات "بروديجين" وإلى تشديد القواعد المفروضة على زراعة النباتات الدوائية بشكل علني. وتخلت الكثير من الشركات عن فكرة زراعة هذا النوع من النباتات في حقول مفتوحة كليةً.
