نجح المظلّي النمساوي فيليكس بومغارتنر في خوض مغامرة القفز بالمظلة، أخيرا، من ارتفاع 29 ألف متر وهو ارتفاع يتجاوز 99% من الغلاف الجوي للأرض، ليكون أول من يخوض هذه التجربة منذ خمسين عاماً بعد الأميركي نك بيانتانيدا الذي فشل في هذه المهمة في عام 1966.
وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن تجربة القفز بالمظلة من ارتفاعات شاهقة في الفضاء هي أكثر من كونها تحقيق أحلام وإحراز أرقام قياسية. فهي تجربة رائعة، لكنها قصة مجهولة على نطاق واسع تتعلق بالعبقرية والتكنولوجيا. وخلال الحرب العالمية الثانية، كانت هناك طائرات عملاقة تحلق على مستويات أكثر ارتفاعاً. وكان الهدف من القيام بأول قفزات من ارتفاعات عالية هو استكشاف ما إذا كان المظليون الذين اضطروا إلى التحليق على هذه الارتفاعات بإمكانهم النزول إلى الأرض. وكانت إحدى المحاولات الكبرى الأولى للقفز من ارتفاعات عالية ما قام به الباحث الطبي بالجيش الأميركي راندي لوفيلاس في أربعينيات القرن الماضي.
ففي عام 1943، قفز لوفيلاس من طائرة من طراز "بي-17" على ارتفاع 12.3 كيلوما، حيث قام بفتح المظلة على الفور واكتشف عن غير قصد حماقة هذا الفتح الفوري على ارتفاع شاهق. وأدى ذلك إلى فقد الوعي وتجمد تقريباً حتى الموت عند هذا الارتفاع. وبعد هذا الحادث، بدأ تدرّب الطيارين على السقوط الحر من ارتفاعات أقل وأكثر دفئاً قبل فتح مظلات الهبوط الخاصة بهم.
وأشارت "نيوساينتست"، في تقريرها، إلى أن هناك مشكلة قاتلة في ما يتعلق بالهبوط الحر، وهي الميل الطائش للجسم للدوران والتعثر. وخلال عقد الخمسينات، قام سلاح الجو الأميركي بدراسة هذه المشكلة من خلال إسقاط الدمى من علو شاهق. وكشف برنامج الغطس التخيلي من مسافات مرتفعة عن أن الأجسام يمكن أن تدور بسرعة 200 دورة في الدقيقة أثناء السقوط. ومثل هذا الدوران السريع ينتج قوى جذب عالية للغاية على أطراف الجسم، وهناك أيضاً مخاطر مرتفعة بتعقد حبل المظلة عندما يتم تحريرها. ويتمثل أحد الحلول في تعلم كيفية السيطرة على دوران الجسم أثناء السقوط الحر، حسبما اكتشف ليو فالنتين ذلك خلال عقد الأربعينات.
الهروب الطارئ
وقد ابتكر سلاح الجو الأميركي وسيلة لوقف الدوران لا تتطلب أي تدريب، وهي المظلة متعددة المراحل. وهي عبارة عن مظلة "نزع" صغير تفتح على ارتفاع عالٍ لمنع الدوران، ويتم فتح المظلة الرئيسية على ارتفاع منخفض. وفي عام 1958، كان جوزيف كيتينغر أول من أطلق برنامج القفز المسمى "بروجكت اكسلسيور" لإثبات أن المظلات متعددة المراحل يمكن أن تستخدم في الهروب عند الطوارئ.
وكان كيتينغر بالفعل قد انطلق إلى ارتفاع 29 كيلومترا في بالون الهيليوم كجزء من مشروع الفضاء البيولوجي، حيث رأى أن بالون الغاز هو المنصة المثالية لاختبارات الإنقاذ على ارتفاعات عالية. واستطاع أن ينجو من ثلاث قفزات على ارتفاع عال باستخدام المظلة متعددة المراحل، حيث كانت الأخيرة من ارتفاع 31.3 كيلومترا في عام 1960. فقد كان، ولا يزال، أعظم قفز بالمظلات في التاريخ، الذي يتم الاحتفاء به في الكتب والمجلات والأفلام الوثائقية وحتى أغاني البوب الاسكندنافية.
كما أنها ساعدت في إنقاذ الأرواح. وفي عام 1966، انفجرت مظلة من طراز "إس آر-71 إيه" على ارتفاع 24 كيلومتراً، حيث لقي الطيار الرئيسي للمظلة جيم زواير حتفه في الحادث، ولكن مساعد الطيار بيل ويفر نجا من الانفجار، وتمكن من الهبوط بسلام بفضل مظلة الهبوط التي تشبه كثيراً "بروجكت اكسلسيور". واليوم، فإن جميع الطائرات الحربية بالجيش الأميركي التي تحلق على ارتفاعات عالية تستخدم المظلات متعددة المراحل.
