فتح المجال أمام العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام، وذلك بعد أن تمكن مسبار وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" المسمى "كيوريوسيتي" من الهبوط ، أخيرا، بشكل دقيق على سطح المريخ في المكان المحدد له، وذلك عقب رحلة استثنائية تصل تكلفتها إلى 2.5 مليار دولار لاستكشاف مدى توافر أدلة على وجود حياة هناك.

وتقول صحيفة "ذي إيج" الاسترالية، في تقرير حديث لها، إن المسبار، وهو عبارة عن روبوت يزن حوالي طن ويعادل حجم سيارة صغيرة، يعد بشكل عام أكبر مركبة فضائية موجّهة عن بُعد من حيث الحجم والأكثر تعقيداً وتكلفة. ومن المقرر أن يقضي المسبار "كيوريوسيتي روفر"، الذي يعمل بالطاقة النووية، عدة سنوات على سطح الكوكب الأحمر لجمع عينات من صخور وتربة الكوكب والتجول حول فوهة بركان "غايل" ثم الصعود فوق جبال "إيوليس مونز" والبحث عن مظاهر حياة ماضية وحالية على سطحه. وفي خضم هذه المحاولات المتكررة لإرسال مركبات إلى سطح المريخ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مجدداً هو: هل هناك بالفعل مظاهر حياة على سطح كوكب المريخ؟ ويبدو أن هذا هو السؤال الأكثر أهمية من بين أسئلة عديدة تواجهها "ناسا" في المرحلة المقبلة.

ميزانية محدودة

أشارت "ذي إيج" إلى أن الجميع يتفق على أن مشروع المسبار هو مثال على تبذله "ناسا" من جهد في هذا المضمار، وهو استكشاف الكواكب باستخدام الروبوتات بميزانية محدودة لتحقيق إنجاز علمي يدوي في الآفاق. كذلك فهو يعتبر السبيل الوحيدة للوكالة التي لولا هذا المشروع لكانت حادت عن طريقها، وهو التركيز الجديد الذي قد يؤدي إلى بزوغ فجر عصر الفضاء. ومنذ أيام المركبات الفضائية "باينونيرز" و"فويجرز" و"مارينرز" التي أطلقت خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فإن هذه المنجزات العملاقة التي قدمتها "ناسا" تعتبر نتاج عقول روبوتية لمختبر الدفع النفاث في مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأميركية.

وقد رصدت هذه الأجهزة بحيرات على تيتان تتدفق عبر حلقات كوكب زحل، والتقطت صوراً لنوافير نارية على "أيو" وجابت المحيطات المالحة في "أوروبا"، حيث بلغت التكلفة الإجمالية لكل ذلك، على مدى 50 عاما، زهاء ما ينفقه البنتاغون في ثمانية أسابيع. وقد ارتفع سقف توقعات "ناسا" لاسيما بعد هبوط المركبة "أبولو" على سطح القمر، حيث أمضى قسم رحلات الفضاء المأهولة التابع للوكالة أربعة عقود في ضخ التمويلات بلا طائل دون أن تحقق الأهداف المرجوة منها.

حالة من الفوضى

وأوضحت صحيفة "ذي إيج"، في تقريرها، أنه منذ أن تم إلغاء برنامج مكوك الفضاء في العام الماضي، دخل برنامج أميركا لرحلات الفضاء المأهولة في حالة من الفوضى. ورسمياً، فقد تم الكشف عن مركبة فضائية جديدة تسمى "أوريون"، أخيراً، سوف تحمل رواد فضاء أميركيين خارج المدار المنخفض حول الأرض للمرة لأول مرة منذ عام 1972، تنطلق إلى القمر أولاً، ثم إلى الكويكبات وإلى المريخ. ومن المقرر أن تنطلق الرحلات الجوية الأولى في عام 2014، مع إطلاق بعثات إلى القمر خلال عقد العشرينيات المقبل.

لكن هذا لن يحدث. فليس هناك قيادة وطنية، ولا حافز ولا هدف. وسيتم خفض الميزانيات والجداول الزمنية. والشيء العظيم بشأن القمر كوجهة لرحلات الفضاء هو أن المرء يمكنه الوقوف في حديقة البيت الأبيض والإشارة إليه. لكن ناسا لن تحصل على التمويل اللازم لإرسال رواد فضاء إلى الكويكبات، وذلك لسبب بسيط وهو أن معظم دافعي الضرائب الأميركيين لا يعبأون بأمر الكويكبات، حتى لو كانوا يعرفون ما هي. إذن، فما الذي يتعين على ناسا القيام به؟

وعلى الرغم من كل ذلك، فلا تزال الوكالة لديها أموال كبيرة تحت تصرفها، وبشكل أكثر نظرياً، منذ أن تم إطلاق مكوكات الفضاء التي لا طائل منها. ينبغي على "ناسا" أن تتعاون مع شركائها الدوليين مثل وكالات الفضاء الأوروبية والروسية، لإعادة التركيز على هدف واحد غالب، وهو البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض، والتخلي عن كل شيء آخر، سواء كان أكثر أهمية أو أقل.

معنى جديد

 

على الرغم من كل شيء، فإنه يمكن ألا يكون هناك سؤال أكثر إلحاحا أو روعة في مجال استكشاف الفضاء والفلك. فاكتشاف أن المحيط الحيوي للأرض فريد من نوعه، واكتشاف أنه حتى أكثر الكواكب شبهاً بالأرض لا تعدو كونها مجرد صخور عقيمة، واكتشاف أنه حيثما نحلق بأنظارنا فلن نرى آثاراً للبكتيريا، فإن هذه كلها أمور غير عادية. وإذا احتشدت الأدلة على أننا في الواقع وحدنا في هذا العالم، من حيث موقعنا في هذا الكون ووصايتنا على كوكبنا، فإن ذلك كله سوف يتخذ معنى جديداً تماماً.