في عام 1798، نشر العالم البريطاني روبرت مالتوس بحثاً بعنوان "مقالة حول مبدأ السكان"، و تنبأ فيها بأن الزيادة في أعداد البشر دون توقف من شأنها أن تدفع بالجنس البشري إلى "صراع دائم على أماكن الراحة والمواد الغذائية" إلى دورة لا تتوقف من المجاعة والبؤس والمرض. و بعد مرور ما يقرب من قرنين من الزمان، لم يكن عالم الأحياء البريطاني بول إيرليك أقل تشاؤما، عندما أعلن في عام 1968، من خلال كتابه الأكثر مبيعاً "القنبلة السكانية": "لقد تجاوزنا القدرة الاستيعابية لكوكبنا. فالمعركة لإطعام البشر قد انتهت. و في وقت ما بين عامي 1970 و 1985، سوف يعاني العالم مجاعات واسعة. ومئات الملايين من الناس سوف يموتون جوعاً".
و تقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إنه في عام 2012، لم تشهد الحالة المزاجية لدينا تحسناً كبيرا. فقد تحول تركيزنا من كيفية توفير التغذية إلى شهيتنا المتسمة بالجشع للحصول على الطاقة والمواد الخام وغازات الاحتباس الحراري التي نضخها في الجو لإرضاء هذه الشهية. وعاجلاً أم آجلاً، يجب علينا أن نرسل مناخ كوكبنا إلى ما بعد نقطة اللاعودة، إن لم نكن فعلنا ذلك بالفعل. فهل هذه التقارير التي تدور حول زوالنا الوشيك مبالغ فيها أيضاً؟ إنه منطق الذين يرون نمطاً في الإحصاءات الأخيرة من العالم الصناعي. فالناس في الولايات المتحدة يستخدمون المركبات بشكل أقل. و الأوروبيون يستخدمون طاقة أقل. واستخدام المياه في بلدان مثل الولايات المتحدة و بريطانيا منخفض، وكذلك استهلاك السعرات الحرارية في بريطانيا.
ذروة الاستهلاك
يدور الحديث عن "ذروة الاستهلاك"، وهو أنه عندما يتم تجاوز مستوى معين للتنمية الاقتصادية يتوقف الناس عن الاستهلاك المفرط. فالتكنولوجيا ومسار التطور الاقتصادي يسمحان بالازدهار للحفاظ على الارتفاع دون زيادة مصاحبة في استخدامنا للطاقة والمواد. وتتسم مطالبنا لموارد الكوكب بالاستقرار، وتبدأ في نهاية المطاف بالانخفاض.
وهناك آخرون غير مقتنعين، ويرون أن ذروة الاستهلاك خرافة خطيرة وذريعة مستترة للتخلي عن الجهود المبذولة للحد من تأثيرنا على كوكب الأرض. و بدون تدخل واسع للحد من تجاوزاتنا الآن، فإن ذروة الاستهلاك في حال وجودها سوف تكون قليلة ومتأخرة للغاية. إذن فأي الفريقين على حق؟ هل توشك الإنسانية حقا على أن تفقد شهيتها للأشياء، وإذا كان الأمر كذلك، هل سيكون ذلك مساعداً؟
إخفاق التنبؤات
لقد أخفقت تنبؤات مالتوس وإيرليك عند نقطة بسيطة، وهي أنهما فشلا في معرفة ما حدث لاحقاً. مالتوس غابت عنه الثورة الصناعية وأساليبها في الإنتاج الكبير، والتي سمحت للمزيد من الناس بالبقاء في حياة أطول وأكثر راحة. ولم يأخذ إيرليك في الاعتبار "الثورة الخضراء"، والتي تمثلت في الاستخدام واسع النطاق لسلالات محاصيل أكثر إنتاجية والأسمدة الكيماوية والمبيدات التي أبقت إنتاج المواد الغذائية في الطليعة قبل عدد السكان منذ عقد الستينات من القرن الماضي. ربما فاتنا اتجاه مماثل الآن.
على الرغم من أن إيرليك قد توصل إلى استنتاج خاطئ، فإن تحليله يوفر إطاراً مفيداً لتقييم الحجج حول ذروة الاستهلاك. و أرجع بصمتنا على كوكبنا إلى أنه نتاج لثلاثة عوامل هي: عدد السكان وما مدى استهلاك البشر على كوكب الأرض وكيف ننتج ما نستهلكه، ومدى انتشار التكنولوجيا. ويعود الكثير من تأثيرنا المتزايد على هذا الكوكب إلى العامل الأول، وهو عدد السكان. وبفضل التقدم الطبي إلى حد كبير الذي يضمن، لأول مرة في التاريخ البشري، أن معظم الأطفال قادرون على النمو، فقد تضاعفت أعدادنا أربعة أمثال على امتداد القرن الماضي لتصل إلى سبعة مليارات شخص. وإننا نقوم بتعديل سلوكنا في الوقت نفسه، حيث تنجب المرأة اليوم أطفالاً بمتوسط 2.5 طفل، أي بمعدل زيادة يصل إلى النصف مقارنة بالأربعين عاماً الماضية.
مطالب البشر
على امتداد أجزاء واسعة من أوروبا وشرق آسيا، بما في ذلك الصين، يصل متوسط إنجاب الأطفال إلى 1.6 طفل أو أقل من ذلك، و هو أقل من المعدل اللازم للحفاظ على أحجام السكان. وقد دفع ذلك العالم الديموغرافي الأميركي جويل كوهين من جامعة كولومبيا في نيويورك إلى التكهن بأن "الكثير منا قد يعيش لكي يرى ارتفاع عدد السكان في منتصف القرن الحالي". فإذا كان الأمر كذلك، فمن شأنه أن يفي بالشرط الأول اللازم للبدء في خفض مطالبنا على هذا الكوكب. الجميع ليس متفائلاً بذلك. ولكي نبدأ، فإن التغيرات الصغيرة في مسألة الإنجاب سوف تحدث فارقاً كبيرا في أعداد السكان بمرور الوقت، حيث لا تزال معدلات الخصوبة في مناطق جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا في معظمها أعلى من
