منذ وجود الإنسان في هذه الحياة يراوده حلم التمتع بصحة جيدة على امتداد عمره دون أن تداهمه أعراض الشيخوخة التي تفضي به في نهاية المطاف إلى مفارقة الحياة. ولا يدري الإنسان أن سبب بقائه لمدة أطول في الحياة هو سرّ قابع بداخله يسمى فيروس "سيترميغالوفيروس" أو الفيروس المضخم للخلايا. وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن هذا الفيروس هو من أعضاء فيروسات الحلاء أو "الهيربس" التي تتمتع بطبيعة البقاء ساكنة في الجسم طوال الحياة دون أن تسبب أعراضاً للإنسان. ويرى العلماء أنه يمكن أن يتمتع الإنسان بسنوات صحية إضافية من حياته من خلال التحكم في هذا الفيروس ذي الخصائص الخفية. وهناك ما بين 50% و 80% من الناس الذين يعيشون في بريطانيا والولايات المتحدة واستراليا مصابون بفيروس مضخم الخلايا المعروف اختصاراً باسم "سي إم في" والذي له علاقة وثيقة أيضاً بمرض الجدري المائي. أما في بعض البلدان الأفريقية، فيعتقد أن هذه النسبة أعلى من ذلك. وتقول أليسون أييلو، الاختصاصية في علم الأوبئة بجامعة ميشيغان في "آن آربور" بالولايات المتحدة، إنه يمكن أن يؤدي "سي إم في" إلى تلف في الدماغ وفقدان السمع لدى المواليد الجدد، ولكن كان من المفترض منذ وقت طويل أن يكون غير ضار لدى البالغين الأصحاء، مشيرة إلى أنه "بعد ذلك جاء فيروس نقص المناعة المكتسبة".

تعقيدات

وعندما يصاب الانسان بفيروسي "سي إم في" و نقص المناعة المكتسبة، فإنهما يمكن أن يتسببا في جميع أنواع التعقيدات مثل التهاب الشبكية بالفيروس المضخم للخلايا والذي يسبب العمى. وبينما عكف الباحثون على المزيد من التدقيق في الأمر، أدركوا أن الآثار الضارة للفيروس المضخم للخلايا جاءت نتيجة تأثير فريد على جهاز المناعة.

ولفتت "نيوساينتست" النظر، في تقريرها، إلى أن الجسم يستجيب لأي عدوى من خلال تدريب عدد قليل من الخلايا المناعية للتعرف على سبب المرض في المستقبل. غير أن فيروس "سي إم في" بطريقة أو بأخرى يتمكن من خداع جهاز المناعة.

وعندما يهاجم الفيروس الإنسان بعد ذلك، فإن خلايا المناعة "تي" تكون مستعدة لأن تتذكر أن الفيروس لا يعمل بفعالية كما ينبغي. وبدلاً من ذلك، فإن الجسم يقوم بتدريب تصل دفعة جديدة من خلايا "تي" للتعرف على فيروس "سي إم في"، وتلتهم المورد المحدود من الخلايا غير المدربة. وبمرور الوقت، ربما يتم تدريب حوالي 40% من خلايا "تي" خصيصاً لمهاجمة الفيروس، و تترك عدداً أقل للتعامل مع عدوى محتملة أخرى.

و يظهر عدد كبير من الأبحاث أن هذا الاستخدام المستمر لخلايا "تي" غير المدربة يؤدي إلى شيخوخة الجهاز المناعي. وتشير أحدث دراسة بريطانية إلى أن ذلك يؤثر سلباً على متوسط العمر المتوقع. وعلى امتداد 18 عاما، تابع بول موس من جامعة برمنغهام في بريطانيا وزملاؤه صحة أكثر من 500 شخص تتجاوز أعمارهم سن الخامسة والستين عاماً. وتبيّن إصابة نحو 70% منهم بفيروس "سي إم في". يقول موس: "رأينا انخفاضا لمدة أربع سنوات في أعمار المجموعة المصابة بسي إم في". و قد تم عرض نتائج الدراسة في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية للمناعة الذي انعقد في بوسطن، أخيراً. من جانبه، يقول إيلو: "يمكن أن يتسبب التدخين والكحوليات في استقطاع جزء من حياة الإنسان". و يرى موس أن المصابين بفيروس "سي إم في" كانوا أكثر عرضة للوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية. كذلك ارتبط الفيروس بالتدهور الإدراكي المتسارع و تردي الحالة الصحة عموما، و ربما يترك الجسم أكثر عرضة لأمراض أخرى، مثل الانفلونزا.

جانب إيجابي

إلا أن الجانب الإيجابي من القضية أن فريق موس يعتقد بأن العلاج على المدى الطويل بالأدوية المضادة للفيروسات يساعد في استعادة صحة الإنسان المتدهورة جراء هذا الفيروس. فقد قام الفريق بحقن فئران تجارب تبلغ من العمر 6 أسابيع بفيروس "سي إم في" وبمجرد بلوغها 6 أشهر من العمر و تثبيت الفيروس، قاموا بمعالجة بعضها بدواء يستخدم لعلاج فيروسات الهيربس. ففي حين أن عدد الخلايا المناعية غير المدربة قد تضاءل في الفئران التي لم تخضع للعلاج، بقيت الأعداد كبيرة في الفئران التي أعطيت الأدوية المضادة للفيروسات.