بعد مرور نصف قرن على إطلاق الاتحاد السوفييتي السابق القمر الصناعي "سبوتنيك1" إلى الفضاء، الأمر الذي دشّن سباقاً مع الولايات المتحدة ساعد على هبوط رواد الفضاء إلى سطح القمر، بدأت رحلات الفضاء تشهد ثورة جديدة أخرى. فقد تم، أخيراً، إطلاق كبسولة البضائع "دراغون" إلى الفضاء على متن صاروخ من طراز "فالكون9"، لتلتحم مع محطة الفضاء الدولية على مدار منخفض من الأرض.
الرحلة التجارية الأولى
وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن رحلة "دراغون" التي أطلقتها شركة " سبيس إكس" الخاصة، تعتبر الرحلة التجارية الأولى من نوعها. وفي المدى القصير، سيكون نجاح إطلاق "دراغون" بمثابة دفعة لتحفيز وكالة الفضاء و الطيران الأميركية "ناسا"، التي أحالت إلى التقاعد مكوكها في العام الماضي، لنقل إمداداتها إلى محطة الفضاء الدولية. لكن هذا الانجاز ينطوي على بذرة لفكرة أكبر بكثير، وهي دخول حقبة جديدة في علاقاتنا الفضائية، مدفوعاً بأهداف الشركات الذكية، وليست الوكالات المدعومة من قبل الحكومة.
يقول إيلون ماسك"، وهو رجل الأعمال ومؤسس "سبيس إكس": "لا تقتصر عمليات التطوير في رحلات الفضاء على الوسائل الحكومية التقليدية". وفي الوقت الذي تعد المهمة الأولى للكبسولة "دراغون" هي نقل المؤن و الإمدادات إلى رواد المحطة الفضائية الدولية، فإن ذلك سوف يتبعه مهام أخرى لرواد فضاء، الأمر الذي سوف يضع نهاية لحاجة ناسا إلى حجز أماكن مكلفة على متن صواريخ روسية. غير أن "سبيس إكس" تعكف حالياً على تطوير تكنولوجيا يمكن أن تحمل في يوم من الأيام رواد فضاء، أو تحمل سائحين إلى القمر أو المريخ. وتعد الكبسولة الجديدة بمثابة تحول ابتكرته شركة "سبيس إكس" من الاعتماد على النموذج التقليدي الذي اعتمدته ناسا، وهو المتمثل في تعهيد هذا النوع من الخدمات لمقاولين يقدمون الخدمة بتكلفة مرتفعة. فقد أطلقت الشركة، منذ تأسيسها في عام 2003، المحركات و هياكل الصواريخ والأجهزة الإلكترونية الخاصة بها.
يقول مايك غولد، من شركة بايجلو إيرسبيس في لاس فيغاس بولاية نيفادا الأميركية ،و التي تخطط لاستخدام الصواريخ التي تصنعها شركات تجارية مثل "سبيس إكس": "أصبحت المعادن المستخدمة في مصانع سبيس إكس و صواريخها معروفة. فالشركة تقدم تكلفة تنافسية للغاية، ويرجع ذلك في جانب منه إلى طريقتها الفريدة في صناعة هذه الأجهزة". وتبيع "سبيس إكس" الصاروخ "فالكون9" بقيمة 60 مليون دولار، وهي ثلث تكلفة الصاروخ الذي يبيعه المقاولون التقليديون. وتم تصميم الكبسولة "دراغون" بهدف القيام برحلات مأهولة و غير مأهولة، ومن المقرر أن تعود إلى الأرض من خلال منطاد يهبط على سطح مياه المحيط.
ترحيب بالقدرات
من جانبه، رحّب آلان ستيرن، وهو الرئيس السابق لبرنامج علوم الفضاء في وكالة "ناسا"، بهذه القدرات التي تتمتع بها الكبسولة. وكان رواد الفضاء في المكوك التابع للوكالة يضطرون إلى استخدام كبسولات سويوز الفضائية الروسية، التي تحمل العلماء و الروبوتات الروسية و اليابانية و الأوروبية. تقوم كبسولات سويوز بحمل البضائع و الأدوات العلمية إلى المحطة الفضائية الدولية، لكنها لا تعود إلى الأرض نظراً لأنها محملة بالفضلات، حيث يتم فصلها عن المدار إلى أن تحترق في الغلاف الجوي.
ويضيف ستيرن: "المحطة الفضائية الدولية بحاجة إلى مركبة تحمل شحنات إلى الفضاء، ثم تستعيد العينات العلمية إلى الأرض. والكبسولة دراغون لها هذه الخاصية الفريدة لاستعادة هذه المواد". ويأمل ستيرن بأن يساعد استخدام "دراغون" على خفض كلفة التجارب العلمية في الفضاء. وهناك خطة لإطلاق "دراغون" إلى أحد الكواكب أو القمر أو الكويكبات باستخدام طاقتها الخاصة بها.
ويشدّد ماسك على أن تجربة "دراغون" ما كانت لتنجح لولا المساعدة الحكومية، حيث يقول: "في ظل سيطرة الحكومة، كان المهتمون برحلات الفضاء قلقون إزاء تجربة تكنولوجيا جديدة خصوصاً في حالة فشل محاولاتهم هذه في هذا الصدد".
تكلفة كبيرة
أنفقت شركة "سبيس إكس" 100 مليون دولار حتى الآن لتطوير الصواريخ و الكبسولات وأطقم الإطلاق، وهي تكلفة كبيرة بالنظر إلى ان حجم طلبياتها بلغ 4 مليارات دولار. ووصل عدد الطلبيات التي تم التخطيط لإطلاقها حتى الآن 40 طلبية، منها 13 طلبية لصالح وكالة ناسا، أما الطلبيات السبع و العشرون طلبية الباقية فهي لأغراض تجارية سواء لأقمار البث الفضائي أو الخرائط أو الطقس. لكن هذه النفقات سوف تؤتي ثمارها في حال نجاح مهمة الكبسولة فقط.
