شهدت منصة "إلجين" في بحر الشمال قبالة الساحل الشرقي لإسكتلندا أخيرا تسربا لكميات هائلة من الغاز الطبيعي، حيث وجدت شركة "توتال" الفرنسية المسؤولة عن عمليات التنقيب نفسها في سباق مع الزمن لاحتواء الأزمة. و في غضون أسابيع، كثفت الشركة عمليات ضخ الطين الثقيل في البئر المتضررة من السطح، الأمر الذي من شأنه أن يولّد ضغط هواء محكم في العمق. . و في هذه الأثناء، ظل الميثان ينطلق من داخل البئر إلى البيئة المحيطة، حيث يتوقع أن يساهم بشكل كبير في تفاقم مشكلة انبعاثات الغازات الدفيئة في بريطانيا خلال العام الجاري.

مخاوف بيئية

وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن حادث تسرب الغاز من حقل إلجين أثار مخاوف من حدوث كارثة بيئية محققة، ودفع الشركات العاملة في هذا المجال لمراجعة إجراءاتها بشأن تقييم المخاطر الناجمة عن عمليات تنقيب الغاز. فلم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه "توتال" مشكلات من هذا النوع. ففي تقرير خطي أعده أحد مديري الحفر بالشركة و تم نشره في العام الماضي، يصف كيف أنه من الصعب ضخ الغاز من حقلي إلجين و فرانكلين المتجاورين. و يشرح التقرير بشكل دقيق كيف أن عمليات الحفر في هذه المنطقة كان يمكن أن تضر بالآبار بطرق ربما أدت إلى هذا التسرب الذي حدث، أخيراً.

وأشارت "نيوساينتست" إلى أن الطلب على الغاز الطبيعي ارتفع على مدى السنوات الـ 30 الماضية، رغم زيادة الإنتاج العالمي من الغاز إلى أكثر من الضعف خلال تلك الفترة. ولتلبية هذا الارتفاع في الطلب على الغاز، فقد اضطرت الشركات المنتجة للغاز مثل "توتال" إلى النزول بالآبار إلى عمق أكبر داخل مكامن يصعب الوصول إليها على نحو متزايد.

ويعد حقل "إلجين" واحداً من تلك المكامن، حيث يصل عمقه إلى 5500 متر ما يجعله أعمق حقول الغاز العاملة في بحر الشمال. وتصل درجات الحرارة هناك إلى 200 درجة، و يوجد الغاز تحت ضغط يبلغ 1100 درجة. ويفسر التقرير الذي صدر في عام 2011 سبب اعتبار أن العمل في هذا النوع من حقول الغاز ينطوي على تحديات. فبمجرد البدء في استخراج الغاز، فإن الضغط في أي حقل للغاز الطبيعي يبدأ في الانخفاض، لكن هذا الانخفاض يكون حاداً بشكل خاص في مكامن الغاز ذات الحرارة و الضغط المرتفعين. وهذا يعني أن الضغط في الأعماق يمكن أن يختلف بشكل كبير وغير متوقع، مما يجعل من الصعب الغوص في آبار إضافية في وقت لاحق دون الإضرار بمعدات الحفر المكلفة. و لاستخراج الغاز بكميات كبيرة قدر الإمكان، تقوم الشركات بحفر آبار عديدة في مكمن الغاز قبل استخدام أياً منها في عملية الاستخراج. وهذا يضمن أنها لديها آبار احتياطية، في حال فشل بعضها.

في الواقع، فقد فشلت العديد من الآبار في حقلي إلجين وفرانكلين منذ أن بدأت شركة "توتال" استخراج الغاز هناك في عام 2001. و يفيد التقرير إن أغلفة بعض الآبار أصبحت مشوهة بشدة. وهناك آبار أخرى شهدت أقطارها الداخلية انكماشاً بنسبة 60%. وربما تكون بعض الأغلفة قد تقلصت بشكل كامل. وهذا ربما يفسر التسرب الذي حدث، أخيراً. والآن فقد عُلم أن مصدر التسرب ليس حقل غاز إلجين نفسه، ولكنه جيب غاز الميثان المحاصر داخل الطبقات الطباشيرية على بُعد 1500 متر فوق حقل الغاز الرئيسي. وبينما تتم إزالة الغاز من الحقل يمكن أن يؤثر ذلك على الضغط في الطبقة الطباشيرية، وتوليد قوى تفتيت يمكن أن تسبب الضرر بالآبار بالطرق الواردة في التقرير.

وأشارت "نيوساينتست" إلى أنه كان قد تم بالفعل إغلاق البئر منذ أكثر من عام و ختم عليها في العمق. لكن في خطوة غير عادية، نظرا للخطر بسبب معدات التدمير، فقد قامت "توتال" بحفر ثلاث آبار جديدة لمواصلة عملية استخراج الغاز. ونتيجة لذلك، فقد استمرت طبقات الطباشير في التغير، وربما تفتت فوق فتحة البئر المهجورة في نهاية المطاف، ما سمح لغاز الميثان داخل الطبقة الطباشيرية بدخول البئر والهروب إلى السطح. ويقول جون غلوياس من جامعة دورهام في بريطانيا، والذي لديه خبرة تصل إلى 28 عاماً في مجال الصناعة النفطية: "استنادا إلى المعلومات المتوفرة لدينا، أعتقد أنه من المحتمل بشكل كبير أن هذا هو ما حدث".

تأثير الميثان

يعتبر الميثان غاز احتباس حراري قوي. فهو لا يمكث لمدة طويلة في الغلاف الجوي كما هي الحال بالنسبة لغاز ثاني أكسيد الكربون. لكن تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تشير إلى أنه من الممكن أن يصل تأثير غاز الميثان إلى 72 ضعف غاز ثاني أكسيد الكربون على ظاهرة الاحترار العالمي على امتداد فترة زمنية تصل إلى 20 عاماً. وربما يصل تأثيره على الاحترار إلى 105 مرة مقارنة بثاني أكسيد الكربون، ذلك أن الميثان يقلل من مستويات الهباء الذي يعمل على تبريد الجو.