بدأ جيولوجيون يابانيون، أخيراً، استعداداتهم للقيام برحلة علمية بحرية خاصة لاستخراج عينات صخور من قاع المحيط قبالة الساحل الشرقي لليابان. وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن الرحلة الاستكشافية التي تعد الأولى من نوعها، انطلقت على ظهر السفينة "شيكيو" تستهدف بالأساس سبر أغوار منطقة الصدع الذي يقف وراء أسباب حدوث زلزال "توهوكو" الذي ضرب سواحل اليابان، أخيراً، وغيره من الزلازل. إلا أن الباحثين يستهدفون توسيع نطاق عملية الاستكشاف لتشمل دراسة الطبيعة الجيولوجية للمنطقة التي لم يقربها أحد من قبل.

ضوء أخضر

وتقول "نيوساينتست" إنه في حال حصول الرحلة على الضوء الأخضر، فستكون واحدة من أهم المشروعات الأكثر إثارة في مجال علوم الأرض. وتعد المهمة أشبه بإعجاز علمي، حيث يمكن أن تغيّر نتائجها من فهمنا لتطور كوكب الأرض وتتحدى النماذج الأساسية لعلوم الأرض. بل إن هناك فرصة للعثور على أشياء غير عادية كامنة في قاع المحيط، وهو أمر كان يعتقد البعض أنه غير ممكن حتى وقت قريب. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتوق علماء الجيولوجيا لاستكشاف أعماق الأرض.

 ففي عام 1909، اكتشف خبير الأجسام الفضائية الكرواتي أندريا موهوروفيسيتش أن الموجات الزلزالية كانت تتحرك بسرعة أقل بكثير على عمق 30 كيلومتراً مقارنة بالمستويات العلوية، مشيراً إلى أن هذه الصخور العميقة لها تركيبات وخصائص فيزيائية مختلفة. وبهذا الاكتشاف، رسّخ موهوروفيسيتش مكانه في تاريخ العلم. وقد أطلق على هذا التغيير في سرعة الخطوة الزلزالية مصطلح "الانقطاع الموهوروفيسيتشي"، ويعرف أيضاً باسم موهو، والذي يمثل الحد العلوي من غطاء الأرض.

وأشارت "نيوساينتست"، في تقريرها، إلى أن الجيولوجيين يعلمون الآن أن الجزء العلوي من الغطاء يبعد على مسافة تتراوح بين 30 إلى 60 كيلومتراً تحت سطح القشرة الأرضية السميكة، وبمساحة محدودة تقدر بحوالي 5 كيلو مترات تحت قاع البحر عند نقاط حيث تكون القشرة في أنحف درجاتها. فما يحدث عند هذا العمق يعمل على تحول الصفائح التكتونية، ويؤدي إلى تشكيل الأرض التي نقف عليها وإلى فوران الزلازل والبراكين. ومن هذا المنطلق، فقد تشكلت هناك جميع أشكال الحياة على كوكب الأرض، بما فيها البشر.

صفائح تكتونية

إلا أن العلماء لم تراودهم الرغبة الملحّة لاستكشاف غطاء الأرض حتى أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي. ففي ذلك الوقت، كانت فكرة الصفائح التكتونية لا تزال محل نقاش محموم. ويدعي أنصار هذه النظرية، مثل هاري هيس وغيره، أن تيارات الحمل الحراري الساخنة من الأعماق في داخل الغطاء الأرضي كانت تدفع الصفائح التكتونية الطافية حول سطح كوكبنا. وقد واجه هيس وزميله والتر مونك عراقيل بسبب عدم وجود أدلة مادية لهذه النظرية. وفي إبريل من عام 1957 بكاليفورنيا وضعت ما تسمى بالجمعية الأميركية للتنوع خطة لجلب عينات من غطاء الأرض، وهو ما دشن مشروعاً أطلق عليه اسم "موهول" .

واضطر الباحثون إلى مجابهة العديد من التحديات، بدءاً من مسألة إيجاد تمويل لابتكار تكنولوجيا للحفاظ على متن سفينة الحفر مستقرة في أعالي البحار. ولم يتمكنوا من الاستعانة بأفكار شركات النفط البحرية، حيث لم يكن الحفر في المياه العميقة ممكناً في ذلك الوقت، وبالتالي فقد قام فريق "موهول" بتطوير تقنية تسمى "التحديد الحيوي للمواقع"، وشملت وضع مراوح ودفّاعات للحفاظ على استقرار السفينة. وتم حفر النواة الأولى والأخيرة على عمق 183 متراً قبالة ساحل جزيرة "غوادالوبي" في منطقة المحيط الهادئ في شهر إبريل من عام 1961.

وبعد فترة وجيزة من عودة المهمة العلمية، تم تهميش العلماء البارزين وتغيرت الإدارة وارتفعت التكاليف، وواجه المشروع تدخلاً من جانب سياسي شاب في ذلك الوقت يدعى دونالد رامسفيلد. وفي عام 1966، تم حلّ المشروع وذلك بعد أن قرر الكونغرس الأميركي التصويت لإسقاط تمويله.

مهمات متواصلة

 

على الرغم من العقبات التي واجهها مشروع "موهول"، إلا أن مهمات الحفر في القشرة الأرضية للمحيط تواصلت. لكننا لا نزال على ثلث الطريق إلى الغطاء الأرضي. وبلغت أقرب نقطة حفر حوالي 1507 أمتار قبالة ساحل كوستاريكا. فهي ليست أعمق حفرة، حتى في القشرة المحيطية، لكن سمك القشرة هناك يقل عن 5.5 كيلو مترات. وهناك بعض الآبار على اليابسة يمتد عمقها إلى أبعد من ذلك بكثير، لكن نظراً لأن القشرة القارية أكثر سمكاً بكثير، فإن أعمق نقاط لها تصل إلى عشرات الكيلومترات من الغطاء.