قبل خمسين عاماً، كان علماء الكمبيوتر يجدون صعوبة في اقناع المستخدم بقيمة الأجهزة الضخمة وعالية التكلفة التي ابتكروها. فعلى سبيل المثال، بلغت تكلفة جهاز "بي دي بي-1"، وهو كمبيوتر صغير بحجم خزانة الملابس، حوالي 120 ألف دولار، أي ما يعادل مليون دولار هذه الأيام. وتقول مجلة "فوكس" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن الباحثين كان يتعين عليهم استخدام تطبيقات جذابة تبرز ما تقوم به أجهزة الكمبيوتر بالفعل، وذلك من أجل تشجيع التمويل لتطويرها. وفي عام 1962، تمكن طلاب في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة من ابتكار لعبة "سبيس وور"، وهي عبارة عن لعبة كمبيوتر لشخصين يتم فيها تبادل إطلاق النيران مع السفينة الفضائية للخصم.
وأشارت "ساينس فوكس" إلى أن "سبيس وور" كانت أول لعبة رقمية يتم تصميمها لجهاز الكمبيوتر، حيث اعتبرت أفضل وسيلة لإبراز ما كان يقوم به جهاز "بي دي بي-1". ومنذ ذلك الحين، اعتبرت الألعاب الرقمية أولى التطبيقات المصممة للكثير من التكنولوجيات الحديثة التي نستخدمها اليوم. وفي ظل التطور الهائل، الأشبه بالثورة الاجتماعية، الذي شهده عالم الألعاب الرقمية، أثر هذا العالم على الطريقة التي نتواصل بها بعضنا مع بعضنا الآخر.
وفي الوقت الذي يعتبر هذا العالم أحياناً منعزلاً، فإن دراسة أجريت في جامعة "بريغام يونغ" في أوتاوا كشفت أن عالم الألعاب الرقمية يمكن أن يؤثر في تعزيز طرق التواصل بيننا. ومن خلال دراسة تأثير الألعاب الرقمية متعددة اللاعبين على الإنترنت، مثل لعبة "ورلد أوف كرافت"، على الحياة الزوجية، فقد وجد الباحثون أن 76% من الحالات التي مارس فيها الزوجان اللعبة سوياً، أدى ذلك إلى تعزيز العلاقة بينهما، بمعنى أنهما بقيا سوياً لمدة أطول.
وللألعاب الرقمية تأثير علينا أيضاً، وهو ما أثبته عالم النفس البريطاني فيليب زيمباردو. فقد أظهرت التجارب التي قام بها في عام 1971، و التي شارك فيها متطوعون سجناء، أن السلوك البشري يتأثر بشدة بالضغوط البيئية والاجتماعية المحيطة. وأشار ديمباردو، أخيراً، إلى أن تعرض الأطفال لمواقف غامضة في الألعاب الرقمية يمكن أن يفيد في تطوير معنوياتهم أثناء الدراسة. ومع الارتفاع الكبير في الألعاب الرقمية على أجهزة الهواتف المحمولة، والتي زادت وتيرتها بظهور الهواتف الذكية، فقد تبين أن التأثير الاجتماعي للألعاب سوف يتواصل. وفي محاولة منها لاتخاذ منحى شعبي في الألعاب الرقمية، تقوم بعض المؤسسات حالياً بتطبيق مبادئ تصميم الألعاب في مجال الأنشطة غير المرتبطة بالألعاب، وهي عملية يطلق عليها مصطلح "توظيف عناصر اللعب".
عناصر فعالة
وغالباً ما تتضمن هذه العملية تحويل الأشياء لكي تبدو أقرب إلى الألعاب من خلال إضافة عناصر فعالة، مثل الإنجازات والعملات الافتراضية وأشرطة التقدم. وأبرز مثال على هذا النموذج لعبة "فورسكوير" التي تتم ممارستها على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تمنح المستخدم نقاطاً و"شارات" عندما يستخدم الهاتف المحمول في الدخول إلى مكان بعينه.
وهذا النموذج من الاستعانة بسمات اللعبة الرقمية يتم تطبيقه في كل شيء، بدءاً من الانتاجية في مواقع العمل، وانتهاء بعمليات البحث عن حياة خارج كوكب الأرض. ويعتقد البعض أنه يمكن استخدامه أيضاً لتحويل العالم إلى مكان أفضل للعيش من خلال تقديم حوافز افتراضية على ممارسة ألعاب جادة تتعلق بمسائل مهمة. فلعبة "ورلد ويذاوت أويل"، التي قامت بتصميمها جين ماكونيغال، تحاكي أزمة تسرب النفط في خليج المكسيك التي امتدت 32 أسبوعاً. ويقوم اللاعبون بالمشاركة بتعليلاتهم بشأن كيف يمكن أن تتغير حياتهم، ويتم تقديم حلول عملية عن كيفية التعامل مع الأزمة. تأثير مشابه
قوبل نموذج "توظيف عناصر اللعبة" بالانتقاد، ذلك أن الألعاب المتسمة بالجدية غير مثيرة للمتعة على وجه الخصوص أثناء اللعب. كما أنها لا تقدم رسالة أكثر فاعلية من أية وسيلة أخرى. وقد وجد الباحثون في جامعة ساوث كاليفورنيا أنه لكي يتم تقديم المعلومة فإن ممارسة لعبة بعينها لها التأثير نفسه الذي تحدثه شبكة الانترنت متعددة النصوص، أو مشاهدة شخص ما يعيد ممارسة لعبة. فالنصوص الخالصة أقل تأثيراً، لكنها أقل تكلفة أيضاً، اذا فلماذا يتم استغراق المزيد من الوقت و إنفاق المال في تطوير لعبة عن مسألة مهمة، في الوقت الذي يمكن كتابة كتيب؟
