في الوقت الذي طرحت تكهنات حول اقتراب النفط من النفاد بسبب تراجع الإنتاج من مكامنه في باطن الأرض والبحرية، تثير مجموعة قليلة من المحللين جدلاً حول فكرة أن انتاج النفط سيبدأ في الانخفاض بحلول عام 2020، لكن السبب هذه المرة يعود إلى عدم حاجتنا إليه، بحسب اعتقادهم.
الاستغناء عن النفط
وتتكهن مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن العالم سوف يستغني عن النفط طواعية، من خلال التقدم الكبير في التكنولوجيا المسؤولة عن تشغيل المركبات. فلن تكون ذروة النفط ظاهرة نتيجة جانب العرض الناجم عن تقلص احتياطيات النفط، ولكن نتيجة أن السائقين سوف يقدمون على شراء السيارات الكهربائية وتزويد السيارات التقليدية بمحركات ذات كفاءة عالية. ولو صدقت هذه التكهنات، فإن هذا التحول سوف يدشن الانتقال طويل الأمد من النفط إلى الكهرباء كوقود رئيسي للنقل، والحد من تعرض الاقتصادات لارتفاع في أسعار النفط، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن النفط الخام، فيما وصف بأنه تكهن جريء. فهل يمكن أن تثبت صحتها يوماً؟
وتشير المجلة، في تقريرها، إلى أنه من خلال تقدير الأمور تبعاً للاستثمار في صناعة السيارات وعدد الطرز الجديدة التي يتم إطلاقها، فإن آفاق السيارات الكهربائية يتوقع أن تكون مشرقة. تقوم كبرى الشركات المصنعة للسيارات بإنتاج درجات متفاوتة من النماذج التي تدار بالكهرباء، بدءاً من السيارات الهجينة مثل "فولفو في 60" التي تعمل بالبنزين والكهرباء، إلى السيارة "نيسان ليف" التي تعمل بالطاقة بشكل كامل بواسطة البطارية الكهربائية، حيث بلغ عددها حتى الآن نحو 130 نموذجاً.
مبيعات مخيبة للآمال
وعلى الرغم من ذلك، فقد أثبتت مبيعات هذا النوع من السيارات حتى الآن أنها مخيبة للآمال. وقفز إجمالي مبيعات السيارات في الولايات المتحدة خلال العام الماضي بمعدل العشر، مقارنة بالعام السابق. لكن ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بـ 3.2% فقط، وفقاً لإحصائيات شركة الأبحاث "واردز أوتو". وفقدت مبيعات السيارة "تشيفي فولت" التي تنتجها شركة "جنرال موتورز " هدفها بمقدار الخمس، فيما تراجعت مبيعات السيارة "بريوس" الهجينة التي تنتجها شركة تويوتا منذ عام 2007. إذن، هل يمكن أن تؤدي السيارات الكهربائية حقاً إلى انخفاض حاد في الطلب العالمي على النفط؟
ويرى محللون بقطاع الاستثمار في "دويتشه بنك" في نيويورك، من خلال سلسلة من التقارير في هذا الصدد، أن السيارة الكهربائية تعد تكنولوجيا تدميرية، ولن تحظى بالتقدير على المدى القصير. يقول دان غالفز، كبير محللي صناعة السيارات لدى "دويتشة بنك": "من المرجح أن يشهد قطاع النقل المزيد من التغير في غضون السنوات العشر المقبلة، مقارنة بالخمسين عاماً الماضية". و لا يرجع السبب في ذلك إلى الاختراق التكنولوجي الوشيك، ولكن لأنه يتوقع أن تشهد التكاليف النسبية للسيارات الكهربائية والبنزين تحولاً.
ولفتت "نيوساينتست" النظر في تقريرها إلى أن السيارات الكهربائية أكثر تكلفة في الشراء، مقارنة بنظيراتها التي تعمل بالبنزين، وذلك لأن كثيراً من تكلفة بطارية أيون الليثيوم التي تدير السيارة مرتفعة للغاية، حيث تبلغ تكلفتها حاليا نحو 12 ألف دولار. لكن تكاليف وقود السيارات الكهربائية هي بالفعل أقل بكثير من تلك التي تعمل بالبنزين.
وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تصل تكلفة البنزين للسيارة المتوسط حوالي ثمانية سنتات للكيلومتر الواحد، مقارنة مع أقل من سنتين بالنسبة للكهرباء اللازمة لتشغيل سيارة كهربائية. وفي أوروبا، حيث ترتفع ضريبة الوقود إلى أعلى من ذلك، تصل الأرقام إلى 12.5 سنتا و سنتين ونصف السنت، على التوالي. وفي كلتا الحالتين، فإن هناك فجوة كبيرة. ولكي تكون السيارات الكهربائية قادرة على المنافسة في الأسعار، فلا بد أن تنخفض تكاليف البطاريات بما فيه الكفاية لكي تسد تلك الفجوة، حيث يعتقد غالفز أنه من المرجح أن يحدث ذلك في وقت أقرب مما يتصوره معظم الناس.
أولاً، فهو يتوقع أن تتراجع تكاليف البطاريات في الوقت الذي يزداد إنتاجها، كما هي الحال بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر المحمولة، إلى أقل من 7 آلاف دولار بحلول العام 2015. ثانياً، من المرجح أن تتسع الفجوة في ظل توقعات معظم المحللين ببقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.
ويتم تعزيز تأثير انخفاض تكاليف السيارة الكهربائية من خلال تعزيز سياسات الكفاءة في استهلاك الوقود و الانبعاثات في أسواق السيارات الأكثر أهمية في العالم. وسوف تكون سياسات الدول الأكثر إسرافاً في استهلاك الوقود من بين الأكثر صرامة في المستقبل. ففي عام 1975، أصدر الرئيس الأميركي جيمي كارتر قانوناً يجبر شركات صناعة السيارات في الولايات المتحدة على تلبية متوسط معايير الكفاءة في استهلاك الوقود.
