تمكّن باحثون من جامعات نيو ساوث ويلز و بوردوا و ملبورن من ابتكار أصغر ترانزستور باستخدام عنصر الفوسفور وحيد الذرة. يقول ميشيل سيمونز، قائد فريق الباحثين و مدير مركز "إيه آر سي" للحوسبة الكمّية التابع لجامعة نيوساوث ويلز، إن هذا الكشف أكثر أهمية في بناء تكنولوجيا المستقبل من أهميته في تحسين التكنولوجيا الحالية. و ذكرت مجلة "ساينس ديلي" الأميركية، في تقرير حديث لها، إن قُطر الفوسفور وحيد الذرة يصل إلى 0.1 نانومتر، فيما يعتبره العلماء نهاية لقانون "مور" الذي يصل بموجبه قطر الذرة إلى 32 نانومترا.
ويضيف سيمونز: "يعد ذلك دليلاً على التحكم في المادة على المستوى الذري من أجل صنع جهاز حقيقي. و قبل خمسين عاما عندما تم تطوير أول ترانزستور، لم يكن أحد يتصور الدور الذي يمكن أن تلعبه أجهزة الكمبيوتر في مجتمعنا اليوم. ونحن في سبيل الانتقال إلى مرحلة الأجهزة الذرية، فإننا الآن على أعتاب نموذج جديد تقدم فيه ميكانيكا الكم وعداً بإنجاز تكنولوجي مماثل. إنه وعد من هذه التكنولوجيا في المستقبل بجعل هذا التطور الحالي مثيراً للغاية".
وكان فريق الباحثين قد أعلن أخيرا أنه تمكن من تطوير سلك من الفوسفور والسيليكون، بطول ذرة واحدة وعرض أربع ذرات، له خواص الأسلاك النحاسية. و قد أجريت عمليات المحاكاة للترانزستور وحيد الذرة الجديد في جامعة بوردو باستخدام تكنولوجيا "نانو إتش يو بي"، التي تعتبر بمثابة موقع رئيسي لمجتمع الانترنت بالنسبة للباحثين في مجال تكنولوجيا النانو الحاسوبية.
من جانبه، يقول جيرهارد كليميك، الذي أشرف على فريق الباحثين في جامعة بوردو خلال عمليات المحاكاة، إن هذا يعد تطوراً مهماً لأنه يظهر كيف يمكن تصميم المكونات الإلكترونية الصغيرة. ويضيف: "بالنسبة لي، فإن هذا التطور هو النهاية الطبيعية لقانون مور. فلا يمكننا صنع ترانزستور أصغر من ذلك".
وعلى الرغم من أن التعريفات يمكن أن تتفاوت، فإن قانون مور يشير إلى أن عدد الترانزستورات التي يمكن وضعها في معالج ما يتضاعف كل 18 شهراً تقريباً. فعلى سبيل المثال تستخدم رقاقة "ساندي بريدج"، وهي أحدث رقاقة أنتجتها شركة إنتل، عملية تصنيع لفصل 2.3 مليار ترانزستور قطرها 32 نانومترا. أما ذرة الفوسفور الواحد، على سبيل المقارنة، فلا يتعدى قطرها سوى 0.1 نانومتر، والذي من شأنه أن يقلل بشكل كبير من حجم المعالجات التي تستخدم فيها هذه التقنية، على الرغم من أنه قد يستغرق الأمر سنوات عديدة قبل أن يتم تصنيع معالجات وحيدة الذرة على أرض الواقع.
ويقول خبراء إن الترانزستور وحيد الذرة ينطوي على عيب خطير، و أنه يجب أن يبقى في درجة حرارة باردة جداً، تعادل برودة النيتروجين على الأقل السائل، أو سالب 391 درجة فهرنهايت ( ما يعادل 196 درجة مئوية تحت الصفر).
يقول كليميك: "تبقى الذرة في بئر أو قناة، ولكي تعمل كترانزستور يتعين أن تبقى الإلكترونات داخل تلك القناة. وعند درجات حرارة أعلى، تتحرك الإلكترونات بشكل أكبر و تخرج من القناة. ولكي تتخذ هذه الذرة خواص المعادن، يتعين احتواء الإلكترونات في القناة". يضيف: "فإذا تم تطوير تقنية لاحتواء الإلكترونات، يمكن أن تستخدم هذه التقنية لتصنيع جهاز كمبيوتر يعمل في درجة حرارة تماثل درجة حرارة الغرفة. لكن هذه مسألة جوهرية لهذه التكنولوجيا".
وعلى الرغم من أنه لوحظ من قبل أن الذرات الوحيدة تعمل بمثابة ترانزستورات، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تصنيع الترانزستور وحيد الذرة بدقة عالية. وينطوي هذا الهيكل على علامات تسمح للباحثين بتطبيق جهد كهربي، حسبما يقول مارتن فوشزيل، الباحث في جامعة نيو ساوث ويلز والمؤلف الرئيسي في مجلة "نيشتر نانو تكنولوجي" التي نشرت فيها نتائج البحث. ويضيف" "الشيء الفريد حول ما قمنا به هو أننا تمكنا، من خلال الدقة الذرية، وضع هذه الذرة الفردية داخل جهاز الترانزستور".
ويرى سيمونز أن هذا الجهاز يعد بمثابة خطوة أساسية في صنع جهاز وحيد الذرة، حيث يقول: "من خلال التوصل إلى وضع ذرة واحدة في الجاهز، فقد استطعنا، في الوقت نفسه، تطوير تقنية من شأنها أن تسمح لنا بوضع العديد من هذه الأجهزة وحيدة الذرة على طريق تحقيق الهدف بتطوير نظام قابل للتوسع".
ويشير الباحثون إلى إن الترانزستور وحيد الذرة سوف يفتح المجال لبناء ما يعرف بالكمبيوتر الكمّي الذي يعمل عن طريق التحكم في الإلكترونات، وبالتالي التحكم في كمّ المعلومات، أو الوحدات متناهية الصغر. إلا أن بعض العلماء تساورهم الشكوك حيال إمكانية تصنيع مثل هذا الجهاز. يقول سيمونز: "بينما تعد هذه النتيجة معلماً أساسياً في الحوسبة الكمية للسيليكون، إلا أنها لا تجيب على السؤال بشأن ما إذا كانت الحوسبة الكمّية ممكنة أم لا. والإجابة على ذلك تكمن فيما إذا كان من الممكن التحكم في تماسك الكمّ عبر أعداد كبيرة من الوحدات متناهية الصغر".
