يدين العالم التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين بقدر كبير من إنجازاته لقفزات التقدم في مجال الهندسة الكهربائية، وعلى وجه التحديد، القدرة على التحكم بدقة في تدفق الشحنات الكهربائية باستخدام الدوائر الصغيرة والمعقدة على نحو متزايد.

وفي الوقت الذي تواصل هذه التطورات الكهربائية في الانطلاق قدماً، فإن باحثين في جامعة بنسلفانيا الأميركية يدفعون مسار التقدم في الدوائر بطريقة مختلفة، وذلك من خلال ابتكار وسيلة لإحلال الضوء محل الكهرباء. يقول نادر إنغيتا، الأستاذ في قسم هندسة الكهرباء والنظم بكلية بنسلفانيا للهندسة والعلوم التطبيقية: "من خلال البحث في نجاح الإلكترونيات على مدى القرن الماضي، كنت دائماً أتساءل عن سبب اعتمادنا بشكل قاهر على التيار الكهربائي بمفرده في صنع الدوائر". ويضيف: "إذا انتقلنا إلى موجات أقصر في الطيف الكهرومغناطيسي، مثل الضوء، يمكننا أن نجعل الأدوات المستخدمة أصغر حجما وأسرع إنجازا وأكثر كفاءة".

 

وظائف متنوعة

وتقول مجلة "ساينس ديلي" الأميركية، في تقرير حديث لها، إن التشكيلات والترتيبات المختلفة من الدوائر الإلكترونية لها وظائف متنوعة، بدءاً من مفاتيح الإضاءة البسيطة إلى أجهزة الكمبيوتر العملاقة المعقدة. وتتألف هذه الدوائر بدورها من ترتيبات مختلفة من عناصر الدائرة، مثل المقاومات، المجسات والمكثفات، التي تعالج تدفق الإلكترونات في الدائرة بطرق دقيقة حسابياً. ولأن كلا من الدوائر الكهربائية والبصريات تعمل وفقاً لمعادلات ماكسويل، وهي عبارة عن الصيغ الأساسية التي تصف سلوك المجالات الكهرومغناطيسية، فإن حلم إنغيتا لبناء الدارات الكهربائية من خلال الضوء لم يكن ضرباً من الخيال فحسب. ففي عام 2005، قام هو و طلابه بنشر بحث نظري يحدد كيفية عمل عناصر الدائرة البصرية.

والآن، فقد تمكّن إنغيتا وباحثوه في جامعة بنسلفانيا من تحويل هذا الحلم إلى واقع ملموس، من خلال إنشاء أول عرض مادي لعناصر دائرة بصرية "مكوّمة". ويعد ذلك معلماً بارزاً في مجال ناشئ في العلوم والهندسة، حيث أطلق عليه إنغيتا اسم "ميتاترونيكس" أو "الرقائق فوق الإلكترونية". وقد نشرت نتائج البحث، الذي أجراه إنغيتا وفريق الباحثين في قسم النظم الكهربائية و الهندسية، الذي يضم يونغ صن وإدواردز برايان وأندريا آلو، في مجلة "نيتشر ماتريالز".

 

صندوق أسود

وأوضحت "ساينس ديلي" أنه في مجال الإلكترونيات يشير مصطلح "مكوّمة" إلى العناصر التي يمكن أن يتم التعامل معها على أنها صندوق أسود، وهو الشيء الذي يحوّل المدخلات إلى مخرجات قابلة للتنبؤ دون أن ينشغل المهندس بشأن ما يجري بالضبط في داخل العنصر في كل مرة يقوم بتصميم الدارات. قال إنغيتا: "البصريات لديها دائماً النظائر العناصر الخاصة بها، وهي عبارة عن أشياء مثل العدسات و الأدلة الموجية و الحواجز الشبكية. ولكن لم يتم جمعها. فهذه العناصر كلها أكبر بكثير من الطول الموجي للضوء، لأن هذا هو كل ما كان يمكن بناؤه بسهولة في الماضي. وبالنسبة للإلكترونيات، فإن عناصر الدائرة المجمعة دائماً أصغر بكثير من الطول الموجي للعملية، وهي الموجودة في نطاق التردد للراديو أو الميكروويف".

لقد فتحت تكنولوجيا النانوية الآن المجال بالنسبة لعناصر الدارة البصرية المجمعة، مما يسمح ببناء الهياكل ذات الأبعاد التي تقاس بالنانومتر. وفي هذه التجربة، فإن الهيكل يشبه مصفوفات المشط للقضبان مستطيلة الشكل المصنوعة من نترات السيليكون. ويشير مقطع "ميتا" (الفوقية) في كلمة ميتاترونيكس إلى مواد ما وراء الطبيعة، وهو مجال بحثي جديد نسبياً، حيث تعتبر أنماط البنى والهياكل جزءاً لا يتجزأ من مواد تتيح لها التعامل مع موجات بطرق لم تكن ممكنة سابقاً. وفي هذه التجربة، فإن المقاطع البينية في القضبان النانوية والفجوات القائمة بينها تشكّل نمطاً يعادل وظيفة المقاومات والمجسات والمكثفات، التي تعد أهم ثلاثة عناصر في الدوائر الأساسية، ولكن في الموجات الضوئية.

وفي هذا الصدد، يضيف إنغيتا بالقول: "لو أننا لدينا نسخة من تلك العناصر البصرية المجمعة، لأمكننا في الواقع التوصل إلى تصاميم على غرار ما نقوم به في مجال الإلكترونيات، لكن الآن من خلال عمليات باستخدام الضوء. يمكننا بناء دائرة باستخدام الضوء". تجربة واعدة

 

في التجربة التي أجراها الباحثون في جامعة بنسلفانيا، قاموا بإضاءة قضبان النانو من خلال إشارة ضوئية، عبارة عن موجة من الضوء في نطاق منتصف الأشعة تحت الحمراء. ثم استخدموا التحليل الطيفي لقياس الموجة أثناء مرورها بالمشط. ومن خلال تكرار التجربة باستخدام قضبان النانو بتسع مجموعات مختلفة العرض والارتفاع، فقد أظهر الباحثون أن "التيار" البصري و"الجهد" البصري قد تغيّرا بفعل المقاومات والمجسات والمكثفات البصرية، مع وجود متغيرات مصاحبة لهذه الاختلافات في الحجم.