على امتداد سنوات طويلة من التطور في مجال صناعة العقاقير من الحشرات والزواحف السامة، أظهرت العديد من الأبحاث العلمية فعالية تلك المواد الكيمائية المستخرجة من هذه الكائنات، في الوقت الذي أثبتت هذه المواد أنها الأعلى قيمة من الناحية المادية. إلا أن صناعة الدواء في الغرب واجهت صعوبات في تحقيق مكاسب من هذه الموارد الطبيعية. ففي عام 1981، أصبح "كابتوبريل" أول عقار مشتق من سموم الزواحف يتم اعتماده لدى إدارة الغذاء والدواء الأميركية. وخلال العقدين التاليين، أنتجت شركات الأدوية قدراً ضئيلاً من هذا النوع من العقاقير. واليوم، يبدو أن جهود الباحثين في هذا المجال قد بدأت تتحول إلى تيار ثابت في الوقت الذي تدخل أبحاث السموم عصر الهندسة الوراثية.

هندسة العقاقير

وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن تحول صناعة العقاقير الطبية من الكائنات السامة إلى الهندسة الوراثية جعل المواد الفعالة المشتقة منها أكثر السلع تكلفة في مجال صناعة الأدوية. واستعرضت المجلة عدداً من العقاقير التي تعتمد في تصنيعها على مواد مشتقة من بعض الحشرات والزواحف التي كانت تعتبر في الماضي قاتلة:

- كابتوبريل: وهو عقار يتم استخلاصه من سمّ أفعى الخفر الماليزية، حيث أثبت فعاليته في خفض ضغط الدم بالجسم. يقول برايان فراي، وهو باحث في علم سموم الحيوانات بجامعة كوينزلاند في بريسبان باستراليا: "جميع الأدوية تحتوي على سموم، ويعتمد تأثيرها على الجرعة المعطاة. فالثعبان يقتل ضحيته من خلال تخفيض ضغط الدم في جسم الضحية. ولاستخدام السم كعلاج، فما علينا سوى إعطاء جرعة أقل منه".

أهمية العقار

ولم تقتصر أهمية سم الأفعى الماليزية على تقديم هذا النوع من العقار فحسب، بل ارتبطت أهميته أيضاً باكتشاف طريقة تنظيم الجسم لمستويات ضغط الدم. ففي عقد الستينات، اعتبرت هذه الآلية ضرباً من الغموض إلى درجة أنها حيرّت الباحثين في التعامل معها. إلا أن فريقا من الباحثين يضم عالم الأدوية البريطاني جون فين من كلية الجراحين الملكية في بريطانيا وباحثا برازيليا يدعى سيرجيو فيريرا، تمكّن من اكتشاف أن البيبتيدات السامّة داخل جسم أفعى "بوثروبس جاراراكا" البرزايلية تثبط الأنزيم المُحول للأنغيوتينسبن، وهو مادة كيميائية يشتبه بأن لها دورا في تنظيم ضغط الدم داخل جسم الإنسان.

- كلورتوكسين: وهي مادة فعالة في علاج أنواع السرطانات، وتوجد في سم العقرب المميت الذي يعيش في مناطق من شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وبمجرد دخول مادة كلوروتوكسين في جسم المريض تلتصق بقوة بالخلايا السرطانية بينما تتجاهل الأنسجة السليمة المحيطة بها. وتركز هذه المادة على بروتين حامل للسرطان يسمى "المصفوفة".

- زين 2174: وهو عقار مستخلص من حيوان بحري يسمى "الحلزون المخروطي"، حيث أثبت فعاليته في علاج الآلام المبرحة. ويرجع الفضل في اكتشاف هذا العقار إلى الباحث الاسترالي في علم السموم ريتشارد لويس من جامعة كوينز لاند في بريسبان وفريق الباحثين المساعد. يقول لويس: "واجهنا تحدياً في تعقب هذه الكائنات. فهي تختفي أثناء النهار، وكان يتعين علينا تقليب مئات الشعاب المرجانية للوصول إلى قوقع حلزوني واحد". ويستعد لويس وفريق الباحثين لدخول المرحلة الثانية من التجارب السريرية على الدواء، الذي يعتمد على تعزيز الإشارة على امتداد الأعصاب القاتلة للألم داخل العمود الفقري في الجسم.

- كوبرا توكسين: مادة فعالة موجودة في سم الكوبرا تفيد في علاج حالات تصلب الأنسجة. في مطلع عقد الثلاثينات من القرن الماضي، بدأ الباحثون في مجال الأدوية اختبار سم ثعبان الكوبرا لاستخدامه في علاج حالات الربو الشُعبي وتصلب الأنسجة. وفي السنوات الأخيرة، أثبتت بعض الأساليب الحديثة، مثل التحليل الطيفي للكتلة والاختبارات الحيوية، فعاليتها في تحديد المكونات المفيدة، والتخلص من بعض الآثار الجانبية السلبية والوصول بالعملية برمتها إلى نتائج أكثر أماناً.

- "إس إتش كي": وهو عقار مستخلص من حيوان شقيق البحر الذي يعيش في البحر الكاريبي، وهو فعّال في علاج أمراض المناعة الذاتية من الفئة1، مثل السكري والروماتيزم. ففي مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي، قام فريق من الباحثين الكوبيين بجمع أنوع معينة من شقائق البحر لاستكشاف فعالية المواد الكيميائية الموجودة بداخلها، حيث استخلصوا مادة تسمى "إس إتش كي" التي يتوقع أن تدخل مرحلة الاختبارات السريرية قريباً. ويمكن استخدام هذه المادة أيضاً في علاج تصلب الأنسجة.

- إيكزيناتايد: وهو عقار مستخلص من حيوان يسمى "وحش غيلا" وهو من فصيلة الزواحف، ويفيد في علاج النوع الثاني من مرض السكري. يقول العلماء إنه على الرغم أن لدغات وحش غيلا تتسبب في الشعور بالدوران والإغماء والحمى وأزمة قلبية، إلا أن السم الذي يفرزه هذا الحيوان يحتوي على مادة فعالة تسمى "إيكزينداين4" التي تحفز مسارات إفراز مادة الإنسولين داخل الجسم، ما يساعد في علاج النوع الثاني من مرض السكري.