في عام 1928 تنبأ الفيزيائي البريطاني إم.إيه.بي ديراك بوجود ما يسمى «المادة المضادة»، وقال إن لكل جسيم من المادة العادية جسيماً مضاداً بكتلة مساوية لكتلة الجسيم، ولكنه يحمل شحنة كهربائية مختلفة الإشارة. ويمكن أن تتجمع الجسيمات المضادة لتشكل ذرة مضادة، وتتجمع الذرات المضادة لتشكل مواد مقابلة لكل شيء موجود في الكون، وهي عبارة عن نجوم مضادة ومجرات مضادة. وعندما يصطدم جسيم بنظيره المضاد يفنى كلاهما وتنطلق أشعة غاما عالية الطاقة.

توهج داخلي

وتقول مجلة «نيوساينتست» الأميركية، في تقرير حديث لها، إن مجرتنا درب التبانة تحتوي على 10 مليارات من المواد والعدد نفسه من المواد المضادة، على شكل خليط ينتج عنه توهج داخلي ساخن من أشعة غاما. ويحمل كل فوتون ينشأ في إطار هذه العملية طاقة تعادل تماماً كتلة إلكترون فانٍ ونظيره من المادة المضادة، وهو البوزيترون (أي المادة المضادة للإلكترون). ولكن ما الذي يمكن أن يضخ هذا العدد الهائل من البوزيترونات؟ في الغالب، تنطلق معظم الإشعاعات في المجرّات، بما في ذلك الضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء والسينية وموجات الراديو وأشعة غاما، من القرص المسطح لمجرة درب التبانة، التي تعتبر بمثابة حضانة تتشكّل فيها النجوم الناشئة والجديدة اللامعة قصيرة الأجل. لكن أشعة غاما تنشأ أساساً في مركز مجرة أصغر بكثير.

وأشارت «نيوساينتست»، في تقريرها، إن هناك بعض الاقتراحات الغريبة لهذه النشأة، منها أن البوزيترونات يمكن أن تنشأ من خلال تحلل المادة المظلمة للمادة الكمية الغريبة التي يطلق عليها كرات «كيو»، أو يمكن أن يتم قذفها من الثقوب السوداء المجهرية أو مجموعة متشابكة من الخيوط الكونية، وهي عبارة عن نتوءات في بنية الزمان والمكان. أو قد تكون شيئاً معروفا بشكل أكبر، وتؤدي الانفجارات النجمية في اسطوانة مجرة درب التبانة لنشوء نظائر مشعة تنبعث منها البوزيترونات عندما تضمحل، في الوقت الذي يمكن تنشأ فيه النجوم النيوترونية والثقوب السوداء الخاصة بالمادة المضادة عندما تتغذى على المادة من النجوم المشابهة. بعض من هذه الكائنات تسكن أيضاً في المجرة، على الرغم من أنها تكفي لتمثل جزءاً يسيراً من انبعاث أشعة غاما التي يمكن مشاهدتها هناك.

صورة متغيرة

يمكن أن تتغير هذه الصورة إذا كان المجال المغناطيسي للمجرة ينقل البوزيترونات من القرص إلى المركز. وذلك يعتمد على شكل المجال الأساسي، وهو الشيء الذي كشفته الملاحظات بشأن كيفية استقطاب موجات الراديو من مصادر بعيدة. ويعتمد الأمر أيضاً على ما إذا كانت البوزيترونات تقطع عشرات الآلاف من السنوات الضوئية قبل فنائها. وسوف يكون ذلك أصعب بكثير عند تنفيذه، لأنه يعتمد على التفاصيل الصغيرة في المجالات المغناطيسية والغاز بين النجوم خارج نطاق مراقبة التلسكوبات.

فإذا استطاعت البوزيترونات الحركة عند هذا الحد، فإن هناك احتمالا آخر واردا. فكون الثقب الأسود يفتقر إلى الوقود، فإنه يكون في مجرتنا في الوقت الحالي. و على الرغم من ذلك، فربما لحق به وهج منذ ملايين السنين وضخّ البوزيترونات التي اندفعت عبر مركز المجرة، لتكوّن هالة كروية من الفناء.

وكان الفيزيائي دبليو.إل.ألفاريز أول من بادر في عام 1960 للبحث الشامل عن المادة المضادة الكونية. فقد بدأ بالبحث عن الجسيمات المضادة الثقيلة في الإشعاع الكوني كنواة الهليوم المضاد أو الكربون المضاد أو الأكسجين المضاد. ولا يمكن لهذه الجسيمات، نظراً لضخامة كتلها، أن تنتج من اصطدام الجسيمات بين النجمية، خلافاً لما هو عليه الأمر بالنسبة للبوزيترونات والبروتونات المضادة.

وفي عام 1994 أطلقت وحدة المناطيد العلمية في وكالة الفضاء والطيران الأميركية «ناسا» تلسكوب المادة المضادة عالية الطاقة من موقع رصد في نيومكسيكو. وعلى الرغم من ثقل المعدات البالغ وزنها 2300 كيلوغرام، فقد تمكن منطاد ضخم مملوء بالهليوم من الصعود بها إلى ارتفاع 000 37 متر، أي فوق 99% من الغلاف الجوي. ورصد التلسكوب قياسات الأشعة الكونية خلال مدة استغرقت 32 ساعة، ثم أُنزل بالمظلة في منطقة «پانهندل» بولاية تكساس الأميركية. وأعادت «ناسا» إطلاق التلسكوب مرة ثانية في عام 1995 من موقع في مانيتوبا بكندا، حيث أتاحت هذه المهمة الثانية للجهاز رصد البوزيترونات منخفضة الطاقة التي لا تستطيع اختراق المجال المغناطيسي للأرض، باستثناء القطبين المغناطيسيين الشمالي والجنوبي.