شهدت صناعة التعدين في العالم تحولات جوهرية خلال السنوات الماضية واكبت ظهور تقنيات حديثة، لا سيما في مجال أجهزة التحكم عن بُعد. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة "ريو تينتو" الاسترالية الاختصاصية في مجال التعدين والمناجم، يمكن أن تصبح الروبوتات وتقنيات التحكم عن بُعد حلاًّ لبعض أكبر التحديات التي تواجه عمال المناجم الاسترالية. لكن من المرجح ألا يأتي قطف ثمار الابتكار في هذا الصدد إلا بعد قطع أشواط طويلة من التجربة والخطأ جنباً إلى جنب مع تحمل شركات التعدين تكاليف كبيرة.
وتقول صحيفة "ذي إيج" الاسترالية، في تقرير حديث لها، إن كبريات شركات التعدين في العالم قد بدأت فعلياً تجاربها في الاستعانة بالشاحنات ومنصات الحفر وآلات الفرز والقطارات المؤتمتة في مناجمها، وأبرزها شركة "ريوتينتو" العملاقة التي شرعت في تطبيق هذه التقنيات على امتداد منطقة بيلبارا في استراليا. يقول جون ماكغاغ، رئيس وحدة الابتكار في الشركة إن هذه الأنظمة يمكن تشغيلها على مسافة أكثر من 1000 كيلومتر براحة وسلامة من داخل مقر الشركة في مدينة بيرث.
وأضاف: "التكنولوجيات المتقدمة التي يجري حالياً اختبارها تعزز موقف ريو تينتو كشركة رائدة في مجال ابتكارات التعدين". من جانبها، أصدرت شركة "بي إيه إي أيكونوميكس" للاستشارات، أخيراً، بتكليف من شركة ريو تينتو، يتناول كيف أن ظهور تقنيات الإدارة الذاتية والتحكم عن بُعد سوف تؤثر على صناعة التعدين. وفي الوقت الحالي، تستخدم ريو تينتو في منجم الذهب التابع لها في منطقة "ويتس آنغيلاس"، خمس شاحنات آلية مزودة بأجهزة الرادار والليزر وهوائيات للاتصالات وأجهزة تحديد المواقع الأرضية.
تقوم هذه الشاحنات المؤتمتة على الاتصال بمراكز التزود بالوقود وتحديد اتجاهات السير في المناطق الوعرة وعبور التقاطعات، والتواصل مع مركبات النقل مثل البلدوزرات والسيارات التي تدار بواسطة البشر. يأتي ذلك في الوقت الذي تخطط الشركة لزيادة حجم أسطولها من هذه التقنية إلى 150 جهازاً بحلول العام 2015 قبل أن تتم أتمتة جميع الآلات لديها بشكل كامل في نهاية المطاف.
وتتعاون الشركة أيضاً مع الشركات المصنعة لهذا النوع من الآلات لتوفير جيل جديد من آلات حفر الأنفاق لكي تحل محل الآلات التقليدية التي تدار بشرياً والمستخدمة في الحفر والتفجير. وتقول صحيفة "ذي إيج" إن ريو تينتو ليست شركة التعدين الأولى التي تمضي في هذا الاتجاه.
فقد أنفقت شركة كوديلكو التشيلية مبالغ تقدر بـ 3 مليارات دولار على تطوير نظم آلية لدخول مستوى جديد في التعدين من خلال منجم النحاس "إيل تنيانت" التابع لها في تشيلي، الذي يعد بالفعل أكبر منجم من نوعه تحت الأرض في العالم. ومن المقرر أن تبدأ كوديلكو البدء في تنفيذ هذه التقنيات بحلول العام 2017.
وفي السويد، استخدمت شركة "إل كي إيه بي" قطارات انفاق تدار من دون سائق منذ عقد السبعينات من القرن الماضي في منجم الذهب كيرونا في السويد. وشملت أعمال التطوير اللاحقة في كيرونا عمليات التكسير الآلية والوزن والتحميل والرفع، الأمر الذي كان يعني تخفيض عدد عمال المنجم من 3000 عامل في عام 1983 إلى 1800 عامل في عام 2003.
وأوضح تقرير شركة "بي إيه إي إيكونوميكس" الذي أعدته لشركة ريو تينتو أنه بالإضافة إلى التغلب على مشكلة النقص في الأيدي العاملة، فإن هذه النظم الآلية تعني تقليص حجم النفايات وتحسين الكفاءة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تقليل الحاجة للحصول على الطاقة والمواد الاستهلاكية. وأوضح التقرير أن التحول من العنصر البشري إلى الآلي في عمليات المناجم والتعدين من شأنه أن يحقق قدراً أكبر من الأمان وانخفاض التكاليف.
وأضاف: "قد تساعد هذه المكاسب في مواجهة عدد من التحديات التي تواجه هذه الصناعة حالياً، بما في ذلك المحافظة على المهارات ونقص العمالة، وانخفاض درجات المواد خام، وبيئات تعدين أكثر تعقيداً، فضلاً عن التحديات البيئية الناجمة عن الحاجة إلى خفض الانبعاثات والتأثيرات على البيئة". قطاع واحد
لتقرير الذي أعدته "بي إيه إي إيكونوميكس" لا يغطي الآثار التي يمكن أن تحدثها هذه الابتكارات في المستقبل على العمالة الماهرة وأشكال التجارة المختلفة. إلا أنه ذكر مسألة ظهور هذا الفرع من قطاع التعدين وخدمات التكنولوجيا والمعدات، والذي يعتقد أنه سوف يكون مهيمناً في السوق العالمية في توريد السلع والخدمات التكنولوجية وتطويرها بالنسبة لصناعة المعادن.
وأوضح التقرير أن خدمات التكنولوجيا الجديدة في مجال التعدين بأستراليا أسهم في مضاعفة القوة العاملة من 17300 عامل خلال الفترة بين عامي 2000 2001، إلى 31300 في عام 2009، مما يدلّ على أن الاتجاه نحو الروبوتات من شأنه أن يوفر المزيد من فرص العمل، بدلاً من إقصائهم عن سوق العمل.
