ينتشر الغبار في كل مكان من حولنا لدرجة أن لكل انسان سحابات الغبار الخاصة به والتي تصحبه أينما ذهب وتتأثر تركيبتها بما يقوم به أو المكان الذي يمضي إليه. لذا فليس غريباً أن يصبح الغبار، تلك الذرات الرمادية الدقيقة، مجالاً خصباً يعكف العلماء على دراسته سنوات طوالاً. تقول هانا هولمز، مؤلفة كتاب حياة الغبار السرية: أي شيء شبه خفي هو رائع بالنسبة لنا. فالغبار يمكن رؤيته لكن بالكاد. والطبيعة البشرية هي التي تجعلنا نفحص الأشياء التي لا يمكننا فهمها بشكل كامل.

وتقول مجلة فوكس العلمية، في تقرير حديث، إن شركة دايسون البريطانية الاختصاصية في تصنيع المكانس التي ليست لها أكياس لتجميع الغبار، أنشأت مختبراً متقدماً يقوم من خلاله الباحثون بزراعة نوعين من عثة الغبار، أحدهما أوروبي والآخر أميركي. يتم تغذية تلك الكائنات الغبارية بخليط من الفطر وجرثومة القمح بسكوت الكلاب. ويتم الاحتفاظ بها في درجة حرارة ملائمة تصل إلى 25 درجة مئوية، ودرجة رطوبة تزيد على 70% من الرطوبة النسبية.

وأشارت المجلة إلى أنه عندما يعلم المرء أن هناك حوالي 10 آلاف كائن من عثة الغبار تعيش فوق سريره، فسرعان ما يفكر في طريقة للتخلص منها. وتقول جوزفين هويندركامب، الباحثة في علم الأحياء بمختبر دايسون: إننا نسعى بشكل متواصل إلى البحث عن حلول جديدة لمشكلة عثة الغبار التي تتسبب في أمراض الحساسية.

 

مكتبة للغبار

في الوقت نفسه، يعكف فريق من الكيميائيين في جامعة ولاية أوهاويو الأميركية بقيادة البروفيسور جيمس كو، على إنشاء مكتبة لدراسات الغبار لوضع دليل بمحتوياته. ووفقاً لـ كو، هناك علاقة كبيرة بين الغبار والصحة العامة، حيث يقول في هذا الصدد: الأمر يتعلق بالجسيمات العضوية المحمولة في الهواء والمرتبطة بحدوث الأمراض، ومنها على سبيل المثال غبار السيليكا الناتج من عمليات التعدين، التي تنجم عنها أمراض في الرئة. ويضيف: من خلال تحليل مكونات تلك المواد، يمكننا أن رصد أفضل للمشكلات الناجمة عنها.

وتشير نتائج اختبارات المجس الجديد في المختبر إلى أن الباحثين تمكنوا من فصل 63 جسيماً فريداً للغبار، حيث يعملون على قياس تركيبة كل منها وتنشر النتائج في دورية الكيمياء الفيزيائية. ويخطّطون في الوقت الحالي لدراسة المزيد من الجسيمات الأخرى المأخوذة من مناطق مختلفة مثل ساحات انتظار السيارات والردهات المخصّصة للمدخنين. ومن خلال تحليل مكونات هذه الذرات التي تم الحصول عليها من مواقع متنوعة وربطها بالبيانات المتعلقة بمعدل الوفيات يمكن أن يقود ذلك إلى تشخيص أفضل لبعض أمراض الجهاز التنفسي.

 

هدف الدراسة

وتقول فوكس إنه من الواضح أن دراسة الغبار لا يتم التركيز عليها من باب الفضول فحسب، ولكن لكي تصل الفائدة إلى الصحة العامة. إذاً، فما الذي يمكن أن يقدمه لنا الباحثون في مجال الغبار؟ يعتقد الباحثون في هذا المجال أن الغبار هو تلك المادة المحيطة بكل شيء من حولنا، بما في ذلك أجسامنا والحيوانات الأليفة التي نقتنيها والنباتات والأثاث والملابس. فكل شيء نقوم به يترك بصمة في الغبار المحيط بنا. يقول كو: جسيم الغبار يحصي التغيير الحاصل كل دقيقة، ويتغير عندما يمارس البشر أنشطة مختلفة كالطبخ، ليلاً أو نهاراً.

كذلك تلعب فصول السنة دوراً في ذلك، خاصة عندما تستقر الجسيمات الهوائية على الأسطح أو تحمل داخل المنازل. تقول هولمز: التغيرات الطبيعية، مثل حلول وقت الربيع الذي يتم خلاله إطلاق حبوب اللقاح أو ظهور الفطريات على الأوراق المتساقطة خلال فصل الخريف، كل ذلك يضفي بصمات موسمية على الغبار.

ولفتت فوكس النظر إلى أن الغبار يتخذ طابعاً مميزاً للدولة الموجود بها، حيث تختلف كل دولة عن الأخرى بمقادير الغبار. فعلى سبيل المثال، تعد تشاد موطناً لبحيرة جافة ضخمة تنطلق منها مقادير هائلة من الغبار الذي يمكن رؤيته من الفضاء الخارجي. ومنطقة الصحراء الكبرى، التي تعد أكبر مصدر للغبار في العالم، تصدر منها حوالي مليار طن من الغبار سنوياً، حيث يمكن رصد آثار هذا الغبار في كل مكان على مستوى العالم.