وجد باحثون في كلية علوم الحياة بجامعة وارويك البريطانية ما يعتقدون أنه يمثل أول دليل على أن تطورا متقطعا حدث في مجموعة محاصيل رئيسية في غضون التاريخ القصير نسبيا لتدجين النباتات، وذلك من خلال دراستهم للقطن الموجود على ضفاف النيل منذ 1600 عام.
وتقول مجلة ساينس ديلي الأميركية، في تقرير نشرته أخيراً، إن هذه النتائج تتيح إلقاء نظرة عن كثب على ديناميات الزراعة في العالم القديم، ومن الممكن أيضا أن تساعد المحاصيل المحلية المزروعة حالياً على مواجهة تحديات مثل تغير المناخ وشح المياه.
بقايا القطن
وعمد فريق البحث، بقيادة الدكتور روبين ألابي، وهو أستاذ مشارك في كلية علوم الحياة بجامعة وارويك، إلى فحص بقايا محصول القطن القديم في قصر إبريم بصعيد مصر باستخدام تقنيات متقدمة للتسلسل الوراثي الإنتاجي. وكانت تلك المرة الأولى التي تستخدم فيها مثل هذه التكنولوجيا على نباتات قديمة، والمرة الأولى التي يتم فيها تطبيق هذه التقنية على عينات أثرية في مثل هذه المناطق الحارة.
وذكرت المجلة أن الباحثين درسوا كذلك عينات من أميركا الجنوبية من مواقع في البيرو والبرازيل، تتراوح أعمارها بين 800 و4000 عام تقريبا. وأظهرت النتائج أنه على الرغم من مرور فترة زمنية قصيرة نسبياً تقدر ب1500 سنة، فإن القطن المصري من نوع جي هرباسيوم أظهر دليلا على حدوث عملية إعادة تنظيم جينية مهمة عندما تمت المقارنة بين النوعين القديم والحديث.
ومن جهة أخرى، فإن القطن من نوع جي باربادنس، القريب من النوع المصري المذكور آنفاً، والمأخوذ من مواقع في أميركا الجنوبية، أظهر استقرارا جينيا بين العينتين، على الرغم من بعد المسافة (2000 ميل) والفترة الزمنية (3000 عام) التي تفصل بينهما.
تطور متقطع
وتشير هذه الصورة المتباينة إلى حدوث تطور متقطع، وهو التطور الذي يشمل فترات طويلة من الاستقرار تتخللها سلسلة من التغيرات السريعة، في مجموعة المحاصيل القطنية. وقال الدكتور ألابي: نحن نعتقد أن التطور عملية بطيئة للغاية، ولكن عندما نقوم بتحليل المزيد من المعلومات الوراثية، سنجد أن قدراً هائلاً من التغييرات الاستباقية واسعة النطاق حدث خلال التاريخ الحديث.
وأضاف: إن النتائج التي توصلنا إليها بشأن القطن المصري تشير إلى توفر الإمكانية اللازمة لحدوث تطور أكثر تكيفية في أصناف النباتات المدجنة مما كان مدركاً حتى الآن. فالنباتات التي تنمو في بيئة محلية معينة تعمل على تطوير جينات تمكنها من التكيف مع ضغوط البيئة المحيطة بها بصورة أفضل. ومن المحتمل أن القطن في موقع قصر إبريم تكيف مع عوامل بيئية قاسية، مثل ندرة المياه.
وأردف قائلاً: إن هذه النظرة العميقة إلى كيفية تطور المحاصيل المدجنة استجابة للضغوط البيئية الشديدة تعد ذات قيمة عالية بالنسبة للزراعة الحديثة في مواجهة التحديات الراهنة مثل تغير المناخ وندرة المياه. وبالنسبة لعلماء الآثار، فإن هذه النتائج تسلط الضوء أيضاً على التقدم الزراعي في العالم القديم.
وأشارت المجلة الأميركية، في تقريرها، إلى أن العلماء لم يتيقنوا منذ فترة طويلة مما إذا كان المصريون القدماء قد استوردوا محاصيل القطن المدجنة من شبه القارة الهندية، كما هي الحال بالنسبة لغيرها من المحاصيل، أو قاموا بزراعة نوع أفريقي محلي تم تدجينه محليا. ولكن نتائج الدراسة التي أظهرت أن بذور القطن في قصر إبريم هي من نوع جي هرباسيوم، المستوطن في أفريقيا، وليست من نوع جي أربوريوم، الذي ينتمي إلى شبه القارة الهندية، تمثل أول تحديد جزيئي لنبات القطن الأثري على مستوى الأنواع. وقال الدكتور ألابي إن النتائج تؤكد أن السكان الأصليين قاموا بتدجين القطن في أفريقيا، وهي العملية التي كانت منفصلة عن تدجين القطن في الهند.
