بعد أن حقق الإنسان حلمه بالوصول إلى الفضاء ووطأت قدماه تربة القمر، فها هو يسعى الآن لسبر أغوار أكثر النقاط عمقاً في المحيط. والمحاولات العديدة للوصول إلى أعماق المحيطات بدأت منذ عام 1960، عندما وصل خبير البحرية الأميركي دون والش وخبير علوم البحار السويسري جاك بيكارد على متن رحلتهم تشالنجر ديب إلى عمق 10,916 متراً تحت سطح المحيط الهادئ قبالة سواحل جزيرة غوام. وتقول مجلة فوكس البريطانية، في تقرير حديث لها، إن خمس فرق عمل تعتزم تطوير مركبات مأهولة للقيام برحلات استكشاف إلى قاع المحيط.

وتشير فوكس في تقريرها، إلى إنه في الوقت الذي تقف وراء القيام بهذه الرحلات دوافع للسعي لإنتاج أعمال سينمائية لتصوير الحياة في هذا الجانب المجهول من العالم، فإن المال أيضاً يعد دافعاً رئيسياً وراء تحمل هذا النوع من المخاطر. ففي يناير من عام 2010، الذي يوافق الذكرى الخمسين للقيام برحلة الغواصة تريستي، أعلنت مؤسسة إكس برايز عن أنها خصصت جائزة بقيمة 10 ملايين دولار (6 ملايين جنيه استرليني) لأول فريق يقوم برحلتي غوص مأهولتين في قاع المحيط ضمن المهمة تشالنجر ديب.

وفي أبريل الماضي، أعلن رجل الأعمال البريطاني الملياردير سير ريتشارد برانسون وكريس ويلش عن أنهما يستعدان لبداية سلسلة رحلات إلى أعمق المناطق الموجودة في كل المحيطات الخمسة. ومن المقرر أن يقوم الاثنان بالرحلة باستخدام الغواصة ديب فلايت تشالنجر، التي كانت قد بنيت للمغامر الراحل ستيف فوسيت الذي لقي مصرعه في عام 2007 إثر حادث طائرة في كاليفورنيا قبل أن يحقق حلمه في أن يكون أول من وصل إلى صدع ماريانا. يقول ويلش: عندما بدأت، كان العنصر القياسي أكثر أهمية مما هو عليه الآن.

الرحلة لها أهداف علمية، مثل إمكانية متابعة حياة الفقاريات واستكشاف إسفنجيات ثاني أكسيد الكربون. ورداً على سؤال يتعلق بما إذا كان لا يزال يرغب في الوصول إلى صدع ماريانا رغم أن هناك فرقاً أخرى قد سبقته إلى هذا المكان، قال: لو ثبت ذلك، فسوف نكون ثاني أو ثالث فريق يصل إلى هناك..... فسوف نعيد تقييم ذلك.

وأشارت فوكس إلى أن هناك ما يقدر بـ 80% إلى 90% من الحيوانات التي تعيش في قاع المحيط هي من فئة الحيوانات الفسفورية التي تصدر الضوء من تلقاء نفسها من خلال عمليات كيميائية خاصة. كما تمتلئ هذه المنطقة بالعديد من الحيوانات ذات الطبيعة الشفافة على نحو كبير. وقد غمرت البراكين تلك المناطق بالطمي الأخضر، حيث يفترش قاع المحيط بطبقة رسوبية تعرف بـ النشع الحيوي، الذي يتكون من المحار وهياكل الحيوانات البحرية والكائنات الدقيقة والنباتات المتحللة.

وبينما تستحوذ أخبار قيام برانسون وويلش بالرحلة على اهتمام وسائل الإعلام، فإن الرائد الحقيقي لهذا المشروع هو غراهام هاوكس، وهو مهندس بريطاني المولد يعتبر أبرز مصممي الغواصات في العالم ومصمم الغواصة ديب فلايت تشالنجر. وتم تزويد الغواصة بأجنحة هيدروليكية تسمح لها بالإبحار في الأعماق. وبمجرد هبوطها بشكل كامل، يمكنها التحرك أفقياً عبر قاع المحيط بسرعة ثلاث عقد لحوالي 10 كيلومترات (ما يعادل 6 أميال).

يقول هاوكس: تتكيف جميع الحيوانات التي تعيش في الأعماق على الإبحار باستخدام زعانفها. يمكن أن يتم التعامل مع الهواء والمياه بالطريقة نفسها من وجهة النظر الهندسية. وتنطبق المعادلات نفسها، رغم أن الثوابت مختلفة تماماً. ولهذا السبب، فإن الغواصة التي قام بتطويرها تسير على عكس حركة أجنحة الطائرة، وذلك لتوليد حركة رفع مقابلة لما نراه في الطائرة حتى تسمح للغواصة ديب فلايت تشالنجر بالهبوط.