يعكف باحثون أميركيون على دراسة أسرار ما يجري في باطن البحار والمحيطات قبل حدوث الزلازل، من خلال تصوير حالة الضغط للموجات المنعكسة عن الزلازل وتوقيت حدوثها. ففي منطقة قارية مستقرة جيولوجياً مثل ميدويست الأميركية، تراكمت الرسوبيات من مختلف العصور الجيولوجية على شكل طبقات أشبه ما تكون في تلاصقها بطبقات قطع الحلوى المعروفة باسم بلاك فورست. إلا أن الوضع تحت سطح نهر الميسيسيبي يبدو مختلفا، فالرسوبيات هناك إما محطمة أو ملتفة بعضها حول بعض، الأمر الذي جعل العلماء يعتقدون أن شيئاً ما قد تسبب في تفكيكها بعد ترسبها.
وتقول مجلة نيوساينتست البريطانية، في تقرير حديث لها، إن باحثين أميركيين، بقيادة بياتريس ماغناني، من قسم علوم الزلازل في جامعة ممفيس بولاية تينيسي الأميركية، افترضوا أن السبب في تلك الظاهرة يرجع إلى حدوث زلزال هائل. وبشكل دقيق قبل مئتي عام خلال الفترة بين السادس عشر من ديسمبر عام 1811 والسابع من فبراير عام 1812، عندما هزت سلسلة من أربعة زلازل ضخمة منطقة خليج الميسيسيبي، وهي المنطقة الرسوبية الممتدة من خليج المكسيك شمالاً إلى كايرو في ولاية إلينوي.
وتركزت تلك الهزات في بلدة نيو مدريد الموجودة في ولاية ميسوري الأميركية اليوم، حيث بلغت شدتها 7 درجات على مقاييس الزلازل الحالية، وربما وصلت إلى 8 درجات. وفي الزلزال الرابع والأخير، تدفق نهر المسيسيبي باتجاه عكسي وفاضت ضفاف النهر بالرمال، لتكوّن ما يعرف اليوم باسم بحيرة ريلفوت التي تعد حالياً مرتعاً لصيد الأسماك في شمال غرب تينيسي، وذلك نتيجة انشقاق القشرة الأرضية لابتلاع المياه المتدفقة من النهر.
وتقول نيوساينتست إن هذا التفسير يبدو غير متوقع ظاهرياً. فبالنسبة لمنطقة نيومدريد فهي تقع بعيداً عن الساحات التقليدية لحدوث التقلبات الزلزالية الرئيسية، التي تتلاقى فيها الصفائح الأرضية بعضها مع بعض. لكن الانشطة الزلزالية في هذه المنطقة ليست حدثاً فريداً من نوعه. ففي عام 1556، شهدت مقاطعة شانكزي شمال الصين أكبر زلزال مدمر يتم تسجيله في التاريخ، وهي منطقة بعيدة كل البعد عن حدود الصفائح التكتونية. وأودى الزلزال بحياة 800 ألف شخص، وتغيّرت مواقع الجبال والأنهار في المنطقة، بحسب تقرير معاصر.
وفي الثالث والعشرين من شهر أغسطس الماضي، ضرب زلزال شدته 5.8 درجات ولاية فرجينيا وكان مركزه بالقرب من مدينة مينرال. ولم يسفر الزلزال عن قتلى لكنه تسبب في حدوث حالة من الفوضى والاضطراب في المناطق العليا والمنخفضة للساحل الشرقي للولايات المتحدة. كما ضربت الزلازل المناطق الداخلية من الهند واستراليا خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت المجلة أن الزلازل التي تحدث داخل الصفيحة التكتونية للقشرة الأرضية ظلت لمدة طويلة لغزاً غامضاً. تقول ماغناني: تعتبر هذه آخر جبهة بالنسبة للتكتونات اللوحية. وعلى الرغم من ذلك فما تم التوصل إليه حتى الآن يمنحنا فرصة للتفكير. فربما ندرك أنه ليست سان فرانسيسكو ولوس انجلوس وحدهما الأكثر عرضة لحدوث الزلازل الكبيرة، بل ربما تكون نيويورك وسيدني ولندن أيضاً. فهل يكون ذلك مبرراً للقلق؟.
إن الألواح التكتونية للأرض أشبه ما تكون منشاراً لطبقاتها الصخرية العليا، التي تنجرف إلى الداخل باتجاه المواد اللزجة الواقعة في أسفلها. وحيثما تتلاقى الألواح الصخرية فإنها تتحرك باتجاهات متقابلة بعضها مع بعض، وتندفع إلى أعلى وإلى أسفل. وعلى امتداد منطقة الصدع في سان أندرياس بولاية كاليفورنيا الأميركية، يحدث تفتت للألواح الصخرية بمعدل يتراوح بين 33 مليمترا و 37 مليمترا في السنة، الأمر الذي يولد ضغطاً يظهر على شكل زلزال. وتشير البيانات إلى أن ولاية كاليفورنيا الأميركية تشهد زلزالاً بشدة 7 درجات أو أكثر مرة كل 100 عام أو 150 عاماً. وكان آخرها زلزال بقوة 7.8 درجات في سان فرانسيسكو في عام 1906.
وتشير هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية إلى أن هناك احتمالاً بنسبة تتراوح بين 25% إلى 40% لحدوث هزة أرضية بقوة 6 درجات أو أكثر في نيومدريد خلال الخمسين عاماً المقبلة، وتوقعات بنسبة 7% إلى 10% لأن تكون الهزة بالحجم نفسه للهزة التي شهدتها المنطقة منذ قرنين من الزمن.
