في الوقت الذي يعاني العالم من أزمات اقتصادية وخطر حدوث ركود عالمي يلوح في الأفق وكأنه سحابة قاتمة، فلا عجب أن يواجه قطاع التكنولوجيا النظيفة، وهو أحد القطاعات الأكثر نضجاً وأسرعها نمواً في بريطانيا والعالم، ظروفاً صعبة أيضاً. فالمستثمرون في التكنولوجيا النظيفة يتحدثون عن انخفاض حاد في الثقة، حيث تشكو الشركات من أنها لا تستطيع زيادة الاستثمار، في حين يبدي كبار رجال الأعمال مقاومة عنيدة في مواجهة التغيير.
إلا أن مجلة نيوساينتست العلمية، ترى أسباباً للتفاؤل في هذا الصدد، حيث تعتبر صناعة التكنولوجيا النظيفة مبتكرة وتحظى بدعم الحكومة البريطانية، التي اعتبرت أحد أكبر المستثمرين في العالم في هذا المجال خلال العقد الماضي، ذلك أنها تقدم المساعدة على الاهتمام التجاري في هذا القطاع. وفي كثير من المجالات بدأ هذا الاهتمام يؤتي ثماره. فهل يتسنى لهذا القطاع في بريطانيا أن يمضي قدماً ويخرج أقوى من الأزمة الاقتصادية؟
ولعل الأساس المنطقي للحملة البيئية باتجاه التكنولوجيا النظيفة واضح. فعلى امتداد فترة طويلة كانت بريطانيا تضخ مقادير كبيرة من من ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. ونتيجة لذلك، ازدادت سخونة كوكب الأرض بشكل أسرع، وباتت الرسالة التي يبعث بها علماء المناخ واضحة، مفادها أنه اذا كنا نريد تجنب خطورة محتملة للتغير المناخي فلابد أن يتم خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. الأفكار بشأن كيفية القيام بذلك ليست شحيحة. فالبيوت والشركات ووسائل النقل تستهلك كميات هائلة من الطاقة، لذلك هناك الكثير من القدرات التي يمكن الحصول عليها من خلال الإصلاحات، مثل أنظمة العزل العلوية أو إعادة استخدام المصانع للحرارة التي تعيد إطلاقها إلى الغلاف الجوي. وفي الجانب الآخر، هناك الآلات التي تحل محل محطات توليد الطاقة من الوقود الأحفوري وعمليات الحرق عن طريق توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، مثل الشمس والرياح والبحر. ويتطلب هذا التحدي على نطاق واسع رؤية ثاقبة وإرادة سياسية وعدة سنوات من البحث والتطوير.
ضخ استثمارات
وترى نيوساينتست أنه لا يمكن بلوغ أي من هذه الأهداف من دون ضخ المزيد من الاستثمارات. بعد انفجار فقاعة دوت كوم في عام 2003 ، بدأ المستثمرون البحث عن أماكن جديدة تستوعب أموالهم. فيما نوّهت العديد من الحكومات إلى عزمها خفض انبعاثات الكربون، الأمر الذي رسخ في أذهان المستثمرين التزاماً قوياً بالتكنولوجيا النظيفة.
ومنذ عام 2003، بدأ تدفق الاستثمار عبر أوروبا يطول كل شيء، من الخلايا الكهروضوئية وتوربينات الرياح إلى جميع أنواع الأجهزة الموفرة للطاقة وتقنيات استخلاص الكربون.
وفي عام 2008 ، أثار انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري في الولايات المتحدة أزمة الائتمان والأزمة الاقتصادية العالمية. و بدأ المستثمرون في التكنولوجيا النظيفة يستعدّون لأوقات عصيبة، حيث واجه القطاع أشد أزمة في تاريخه. يقول مايكل ليبريتش، الرئيس التنفيذي لشركة بلومبرغ المتخصصة في مجال دراسات تمــــــويل الطاقة الجــــديدة التي تتخذ من نيويورك مقراً لها: كلما استبد الخوف بالمستثمرين، فإنهــــم يميلون إلى تجنب الاستثمار في أنواع الطاقة الجــــديدة المتـــعطشة لرأس المال، مثل الطاقة النظيفة، حيث تجرّ عليهم المزيد من الخسارة مقارنة بالأنواع الأكثر نضجاً، التي تدر عليهم تدفقاً نقدياً.
و في عام 2009، تم استثمار موارد خاصة وعامة في بريطانيا بقيمة 7 مليارات جنيه إسترليني في التكنولوجيات منخفضة الكربون، لكن تراجعت قيمة تلك الاستثمارات في عام 2010 إلى ملياري جنيه إسترليني، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن مجموعة بيو للبيئة ، وهي منظمة غير ربحية في مجال سياسة الطاقة النظيفة ومقرها واشنطن العاصمة.
بيئة غير مواتية
وتقول المجلة العلمية: إن هذه التخفيضات الملحوظة تجعل من الصعب على الشركات المبتدئة التي تطرح أفكاراً جديدة أن تجمع الأموال. يقول بينج سايكس، وهو مدير قسم الابتكار لدى شركة تراست كربون، وهي شركة لا تهدف للربح أنشئت في عام 2001 بهدف تسريع الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون: إنها بيئة غير مواتية بالنسبة إلى أي شركة وليدة.
ففي ظل المعاناة التي تكابدها بقية قطاعات الاقتصاد بشكل متزايد من جراء الركود، فإن المستقبل القريب لقطاع التكنولوجيا النظيفة متوازن بشكل دقيق. فمن ناحية، يمكن للتوقعات المتشائمة أن تعوق الابتكار في التكنولوجيا النظيفة. ومن ناحية أخرى، يمكن للتكنولوجيات المبـــتكرة لخفض الكربون أن توفر ميزة تنـــافسية لتحـــفيز حلــــقة إيجـــابية من الاستثمار والابتكار. فـــإذا تم ذلك، فـــإن هــــــذه الصـــناعة ستتعافى بقـــوة من أزمة الانكماش.
