ليس في ذلك تناقض عزيزي القارئ فمن غير المعقول ان تقوم بجهد جبار لإنتاج عمل ما تطلب منك جهدا ووقتا وربما مالا، دون أن نثني على ذلك ونحييك على هذا الجهد حتى وإن كان العمل الذي قدمته تقليديا أو كما يسمونه في مجال الجودة في حدود المتوقع، فهو بالتالي تقليدي لا يمكن تسميته بغير ذلك مهما بلغ ذروة الاتقان والاقناع .

بالتالي ليس من المنصف هضم حقوق من قدم لوحته الضوئية مستعرضاً مثلاً فيها بناء يعتبر تحفة في عالم الهندسة المعمارية تطلب تصويره ساعات طويلة ما بين ضبط التقنيات المناسبة ومواءمتها مع الظروف الطبيعية المحيطة، رغم أنها صورة ربما تدخل في نطاق الصور التقليدية التي ربما لا تسترعي انتباه أحد كعمل فني يأسر الألباب .

وأتذكر أن أحدهم أراد تصوير منزل متعرج زواياه الهندسية تدخل في قائمة المستحيلات من شدة روعتها وصعوبة هندستها ، لكن قاطن هذا المنزل سامحه الله، استخدم أسلوبا بدائيا في "نشر الغسيل" فأفسد على المصور كل محاولاته لالتقاط صورة لهذا المبنى.

وباءت كل محاولته بالفشل وجهده ضاع هباء منثورا، خاصة بعد أن امطرت السماء ليومين متتاليين فلم يجف غسيل صاحبنا (!) وبالمناسبة ومعذرة على الخروج عن النص، تلك ظاهرة غير حضارية نتمنى زوالها على الأقل حتى نستطيع التصوير بأريحية مع حفظ الحقوق الأدبية لقاطني ذلك المبنى !

بالعودة إلى ما نريد والمفيد هو أننا لم نعد نطمح إلى ما هو متوقع وإلى صورة يمر عليها المتلقي مرور الكرام دون أن تجبره بقوة الإبداع على قراءتها، بل إن في علم الصحافة مثلا باتت الصورة وحدها موضوعا يغني عن ألف كلمة ، والأكثر أنها باتت خبرا صحفيا في حد ذاته مكتمل الأركان يمكن منه استنباط الحدث.

ما هو ومتى وأين ولماذا ومن أطرافه، وذلك لا يتطلب عبقرية من القارئ، بل إبداع مصور يعرف كيف يجبرك على ذلك . أصدقكم القول أنني لو خيرت مثلاً أو كنت رئيساً لمسابقة تصوير لجعلت من المشاهدين حكاماً بأنفسهم بحيث اختار عدداً منهم ليمروا على معرض الصور المرشحة للفوز ، وأقوم بحساب الوقت المستغرق أمام كل صورة من الصور المعروضة وصاحب أعلى وقت هو الفائز لكن ذلك لن يكون طالما أن طموحك يقف عند حاجز مبنى شاهق أو جبال تعلو قمتها الثلوج.

وهذا يتطلب كسر كل قيود النمطية والتقليدية والانطلاق بأقصى سرعة نحو التميز . دور المصور أن ينقل فنا راقيا للمتلقي، وهدفه الأعلى هو أن يجعل الزائر لمعرضه يقضي أمام أعماله أطول وقتا ممكن، وإن كان للخبر الصحفي أسس وشروط تتلخص في الإجابة على خمسة أسئلة هي ( من وماذا وأين ومتى ولماذا ) فعلى المصور أن يضيف " كيف " ويترك قارئ عمله يتفنن في بحثه عن الإجابة التي ربما لا يعثر عليها أبدا طالما أنك فنان .. غير تقليدي !