على مدى العقدين الماضيين، ضربت الانفجارات الشمسية والعواصف المغناطيسية الأرض بدرجات متفاوتة من الشدة. وقبل أكثر من 150 عاماً، رصد عالم الفلك البريطاني «ريتشارد كارينغتون» ظاهرة لأكبر توهج شمسي تم تسجيله. أعقب ذلك بحوالي 18 ساعة انطلاق عاصفة شمسية مغناطيسية مكثفة على كوكب الأرض، ما أدى إلى إثارة التيارات الكهربائية داخل أسلاك التلغراف في أوروبا وأميركا الشمالية، واشتعال النيران بها. لكن ماذا سوف تكون عليه الحال إذا تكررت هذه الظاهرة مرة أخرى؟.

 

تحسين مستوى التنبؤ

تقول مجلة «نيوساينتست» العلمية، في تقرير حديث لها، إن باحثين أميركيين يعكفون حالياً على تطوير نظام ذكاء صناعي معالج بالصور لتحسين مستوى التنبؤ بحركة الشمس، ومنح الوقت للتحضير لهجوم شمسي متوقع. ويقول العلماء إن هذه الظاهرة سوف ينجم عنها خروج أشعة إكس وغاما والأشعة فوق البنفسجية، مما سيؤدي إلى تدمير شبكات الكهرباء وخلل في نظام الالكترونيات في الأقمار الصناعية، وتعريض حياة رواد الفضاء والطيارين والمسافرين جواً للخطر.

وأشارت «نيوساينتست» إلى أن انبعاثات البلازما، وهي عبارة عن موجات مغناطيسية ناجمة عن العواصف الشمسية، يمكن أن تعطل المجال المغناطيسي للأرض، وتولّد تيارات كهربائية في خطوط نقل الكهرباء والنفط، مما ينجم عنه انقطاع التيار الكهربائي وحدوث حرائق.

ويتيح نظام الإنذار المبكر لمشغلي الأقمار الصناعية إمكانية إيقاف إلكترونات الجهد العالي، وتجنب رواد الفضاء القيام برحلات والاختفاء خلف دروع إشعاعية، وتجنب الطائرات اتخاذ المسارات القطبية.

وترى «نيوساينتست» أن المراصد الشمسية التي تتابع نشاط الشمس باستمرار لابد أن تكون قادرة على إمدادنا بالإنذار قبل اندلاع عاصفة وشيكة. غير أن البيانات الغزيرة المتدفقة من هذه التلسكوبات يصعب للغاية تحليلها. ولهذا السبب يواصل «مارتنز بيت» من جامعة ولاية مونتانا في بوزمان الأميركية وفريق الباحثين أتمتة عملية دراسة الشمس. فالفريق يركز جهوده على البيانات الصادرة من مرصد ديناميكيات الشمس التابع لوكالة الفضاء والطيران الأميركية «ناسا»، الذي تم إطلاقه العام الماضي، ويدور حالياً على بعد 36 ألف كيلومتر فوق الأرض، وهو المدار المتزامن مع الشمس.

يقوم المرصد بالتقاط صور من سطح الشمس والغلاف الجوي بعشرة أطوال موجية مختلفة، حيث يعيد بث كل مجموعة من الصور بصورة منفردة كل 12 ثانية.

ويشير «جيمس ماكتير»، وهو عالم فلك في جامعة نيومكسيكو بالولايات المتحدة: «عليك أن تكون قادرا على تحديد كل ما تحتاجه في نطاق تلك الـ 12 ثانية». وإلا سوف تتراكم عليك البيانات ولن يتسنى لك اللحاق بها. يصل حجم هذه البيانات إلى مقدار مذهل أي نحو 1.5 تيرابايت في اليوم.

 

صعوبات اخرى

وإضافة إلى هذا التحدي المتمثل في مواكبة تيار البيانات، فإن تحديد ملامح سطح الشمس يعد أمراً صعباً للغاية. يقول «إروين فيرويخت»، الباحث بجامعة ورويك في «كوفنتري» ببريطانيا: «تنطوي دراسة الشمس على تحد يتمثل في التحليل الآلي للصور. أجواء الشمس شفافة بحيث تظهر ملامحها المختلفة متراكبة في خط البصر، ما يؤدي إلى تشويش الصورة».

من هنا جاءت محاولة «مارتنز» و»ماكتير» وزملائهم بتطوير 15 برنامجاً تستخدم تقنيات معالجة الصور مثل التخطيط المحيطي، أو التعرف على حدود الصور، وذلك من أجل تحديد ملامح سطح الشمس تلقائياً.

يبحث كل برنامج عن جوانب مختلفة للنشاط الشمسي، بما فيها التوهجات وانبعاثات البلازما، فضلاً عن السمات الأخرى التي قد تشير إلى أن اندلاع اللهب أو أن الانفجار بات وشيكاً، مثل شعيرات اللهب، وهي عبارة عن حزم من البلازما متصلة بخطوط المجال المغناطيسي والحلقات الإكليلية والبقع الشمسية. يمكن أن تقدم النتائج تصوراً لجوانب الفيزياء الشمسية، مثل الدورة الشمسية. ويستغرق هذا التغير الدوري في كمية الإشعاع التي تصل إلى الأرض حوالي 11 عاما.

وسوف يتيح البحث لعلماء الفلك أيضاً دراسة سطح الشمس بالتفصيل وملاحظة المظاهر التي تسبق كل حدث. وحتى الآن، فقد طوّر الباحثون برامج مخصصة لكل مظهر يريدون دراسته برغم أن الباحثين يعتبرونها وسيلة غير صالحة للمضي قدماً على المدى الطويل.