يجري العلماء تجارب على جيوش جرارة من الكائنات المعدلة وراثياً مهمتها القضاء على الحشرات الضارة، دون إلحاق الأذى بالكائنات الأخرى.

وفي إحدى الغابات المجاورة لمدينة جوازيرو بالبرازيل يتم إطلاق جيش مؤلف من جنود مهمتهم التزاوج لا القتال، لكنهم يحملون راية الموت لا الحب. وللوهلة الأولى يبدو الأبناء أصحاء، لكنهم يموتون قبل سن البلوغ، إذ تنال منهم الجينات القاتلة التي مررها آباؤهم إليهم.

 

الدفعة الاولى

ويمثل هؤلاء الجنود الدفعة الأولى من نوع جديد من المخلوقات «الانتحارية» المعدلة جينياً بحيث تقضي على أفراد نوعها، دون إيذاء المخلوقات الأخرى. وأول الكائنات التي يتم الآن استهدافها بهذه «المبيدات الحية» هي أصناف البعوض الحاملة للأمراض واليرقات الملتهمة للمحاصيل الزراعية، لكن من المفترض أن ينجح هذا الأسلوب ذاته في التعامل مع أي حيوان، من الأسماك ومن الضفادع المتطفلة إلى الجرذان والأرانب. وإذا كتب له النجاح، فسوف يغير بشكل جذري الطريقة التي نفكر بها بالحيوانات المهندسة وراثياً.

وفي الحقيقة أن جوهر هذا الأسلوب ليس جديداً، فلقد استخدم بنجاح طيلة أكثر من نصف قرن، وهو يتمحور حول «تقنية عقم الذكور» التي يتم فيها تربية أعداد كبيرة من الحشرة المستهدفة وجعلها عقيمة ومن ثم تحرير الذكور. وعندما يتجاوز الذكور مع الإناث في الحياة البرية، تنتج بيوضاً غير قابلة للحياة، وهكذا يمكن لإطلاق أعداد كافية من الذكور العقيمين، أن يؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على الحشرة المستهدفة بالكامل.

 

مشكلة رئيسية

ويستخدم هذا الأسلوب على نطاق واسع، حيث حقق نجاحات عديدة في أنحاء العالم. وعلى سبيل المثال، فلقد ساعد على استئصال يرقة «بلوفلاي» من الولايات المتحدة ومناطق أخرى، وهي يرقة تنهش وتحفر داخل لحم المواشي وحتى البشر. ولقد ساعد الأسلوب ذاته أيضاً في القضاء على ذبابة تسي تسي في زنجبار.

إذن، لماذا لا يستخدم هذا الأسلوب على نطاق أوسع؟ المشكلة الرئيسة تتمثل في أنه من الصعب جداً إفقاد الحيوانات خصوبتها دون إيذائها بطرق أخرى. والطريقة المعتادة لجعل الحشرات عقيمة هي تعريضها للإشعاعات، مثلاً، بهدف إضعاف خصوبة الذكور، ولكن تحديد جرعة الإشعاعات المثالية لكل صنف من الكائنات أمر بغاية الحساسية، ذلك أن تخفيف الجرعة أقل من اللازم قد ينتج عنه إطلاق حشرات غير عقيمة إلى الحياة البرية، وزيادة الجرعة أكثر من اللازم ينتج عنه ذكور ضعيفة جداً لدرجة أنها لا تستطيع المنافسة على الإناث. وأفضل طريقة لاستنتاج الجرعة المثالية هي إجراء التجارب الميدانية في الحقل، لكن هذه المهمة شاقة جداً، وليس فيها طريقة سهلة للتمييز بين الحشرات العقيمة والحشرات البرية السليمة.

سمات الاسلوب الجديد

وهنا يأتي دور «أكسيتك»، وهي شركة بريطانية متخصصة بالتكنولوجيا، نجحت في استخدام تكنولوجيا التعديل الوراثي لإنتاج دودة قطن فيها مادة صبغية مشعة تدعى «دي إس ريد». وتعتبر دودة لوزة القطن هذه حشرة ضارة رئيسة في حقول القطن. وفي عام ٢٠٠٦، أصبحت الدودة المشعة التي أنتجتها شركة «أكستيك» أول كائن مهندس وراثياً يطلق عمداً إلى البيئة. وعلى مدار ٣ أعوام من التجارب الناجحة تم إطلاق أكثر من ٢٠ مليون من هذا النوع في الولايات المتحدة حتى الآن.

وهذه ليست سوى البداية فقط، فلقد نجحت الشركة أيضاً في إنتاج ذباب فاكهة معدل وراثياً بحيث يقضي على نسله.

وبخلاف الأسلوب القديم الذي يعتمد على استخدام الإشعاعات والمواد الكيماوية لجعل الكائنات عقيمة، فإن الأسلوب الجيني يفترض أن يكون ملائماً مع أي صنف من الكائنات. وإلى جانب دودة القطن الوردية، تستهدف أوكسيتك الآن بعوضة «إيديس إيجبتي» التي تعتبر أهم حامل لمرض حمى الضنك، وهو مرض فيروسي يصيب ٥٠ إلى ١٠٠ مليون شخص في المناطق الاستوائية كل عام، بما في ذلك بضعة إصابات في فلوريدا بالولايات المتحدة وكوينزلاند في أستراليا. وليس هناك أي لقاح أو علاج لهذا المرض، ولذلك فإن الطريقة لمكافحته القضاء على البعوض الذي يحمله. والمشكلة أن هذا البعوض يزداد مقاومة للمبيدات الحشرية عاماً بعد عام. ومن خلال تعديل ذكور ذبابة «إيديس إيجبتي» جينياً بحيث تقضي على أبناء نوعها من خلال التزاوج مع الإناث السليمة، تأمل شركة أوكسيتك أن تكون قد توصلت أخيرا إلى طريقة ناجعة لمكافحة مرض حمى الضنك بنجاح.

ومن شأن نجاح هذا الأسلوب أيضاً أن يغير مواقف الناس عموماً من الهندسة الجينية على نطاق أوسع.