يستعد العلماء للبدء في أول تجربة ميدانية من نوعها لهندسة المناخ. وسوف يقوم فريق من الباحثين البريطانيين قريبا برفع طرف خرطوم بطول ١ كيلومتر بشكل عمودي في الهواء بواسطة منطاد، ليحاولوا بعد ذلك ضخ الماء إلى الأعلى ورشه باتجاه الغلاف الجوي.

وبالطبع فإن تلك المياه لن تؤثر على المناخ، لكن الهدف من التجربة إثبات صحة مبدأها العملي للبرهنة على أن بإمكاننا ضخ كميات كبيرة من المواد إلى ارتفاعات هائلة. وإذا نجحت هذه التجربة، فقد تتبعها في يوم من الأيام تجربة مشابهة لكن على نطاق أكبر لضخ رذاذ الكبريتات إلى الطبقة العليا من الغلاف الجوي المعروفة بالستراتوسفير، ليوجدوا بذلك مظلة جوية تخفف من حدة أشعة الشمس، وتبطل بذلك تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري.

 

هدف المشروع

والتجربة، التي يقودها ماثيو واتسون من جامعة بريستول البريطانية، هي جزء من مشروع ميزانيته مليونا جينه استرليني، يدعى »حقن الجسيمات الستراتوسفيرية للهندسة المناخية« ويسمى اختصاراً »سبايس«. ويهدف المشروع أيضاً إلى معرفة ماهية الجزيئات المثالية للاستخدام في تشكيل المظلة الجوية.

ويذكر هنا أن هذا الاختبار ليس هو الوحيد في ميدان الهندسة المناخية، حيث يتم الآن إجراء سلسلة من التجارب الميدانية لاختبار تقنيات أخرى يمكن استخدامها للتلاعب ببيئتنا.

ويجادل واتسون بأننا بحاجة للتحري عن تأثيرات رذاذ الكبريتات، والذي يسمى أيضاً الضباب الكبريتي، كعلاج الملاذ الأخير فيما إذا بدأ المناخ بالتغير بشكل سريع.

ويتفق العديد من الباحثين مع واتسون في أن مثل تلك الأبحاث يجب أن تستمر، على الأقل من أجل إثبات إمكانية تطبيق تلك التقنيات على أرض الواقع. ويقول واليس بروكر، من جامعة كولومبيا الأميركية: »باعتقادي، هناك احتمال بنسبة ٥٠ % بأننا سنضطر في نهاية المطاف للجوء إلى هذا الخيار، لأن مناخ الأرض سيزداد سخونة والناس سيطالبون بتبريدها بأي طريقة«. لكن العلماء عموماً يبدون تحمساً أقل لنهج مشروع »سبايس« في التعامل مع المشكلة.

ويقول تواماس ستوكرز، من جامعة بيرن السويسرية إن هناك »ثغرات كبيرة« في فهمنا للهندسة المناخية. ولقد ساعد ستوكرز في تنظيم اجتماع خاص للجنة الدولية للتغير المناخي لبحث موضوع الهندسة المناخية في شهر يونيو الماضي. وحدد الملتقى أسئلة عدة عالقة ينبغي التركيز عليها في الأبحاث المستقبلية. لكن من غير الواضح ما إذا كانت التجارب الميدانية الحالية، مثل تجربة واتسون، سوف تقدم إجابات لتلك الأسئلة.

ويقول ديفيد كيث، من جامعة هارفرد، معلقاً على تجربة سبايس، أن إيصال الكبريتات إلى طبقة الستراتوسفير عن طريق خرطوم ليس فكرة جيدة. فرشّ الرذاذ بشكل موضعي يسمح بتكتل جزيئاته، مما يجعله أقل فعالية في عكس ضوء الشمس، وأقل مقاومة للانجراف مع مياه الأمطار. وتشير الدراسات التي قام بها كيث نفسه إلى أنه إذا اضطررنا في يوم من الأيام لحجب جزء من أشعة الشمس عالمياً، فسيكون من الأجدى رش حمض الكبريتيك من الطائرة.

 

رقم زهيد

كما أن هذا الخيار سيكون أقل تكلفة أيضاً، حيث سيكلف بضعة مليارات من الدولارات فقط في السنة، بحسب دراسة قامت بها شركة »أوزورا فلايت ساينسيس« الأميركية. وهذا رقم زهيد جداً بالمقارنة مع تريليونات الدولارات التي قد يخسرها الاقتصاد العالمي، إذا ما استمر التغير المناخي بمعدلاته الحالية.

وهناك نقطة هامة أخرى وهي أن طريقة تشكيل المظلة الجوية في طبقة الستراتوسفير يراد لها أن تكون ذات تأثير عالمي، وبالتالي لا بد أن توافق جميع البلدان على مثل هذا المشروع، وهو أمر صعب التحقيق.

ومن الاحتمالات التي قد تساعد البلدان على الاتفاق على مثل هذا الشأن هو عدم الحاجة بالضرورة لتطبيق تلك المظلة الجوية بشكل متساو حول العالم. ولقد قام كين كلاديرا، من معهد كارنيجي للعلوم في ستانفرود بولاية كاليفورنيا، بتطوير نموذج تمثيل حاسوبي للمناخ، مع مظلة يتوزع فيها الرذاذ بكميات أكبر بكثير فوق القطبين منه فوق المناطق الاستوائية. وينتج هذا توزيعاً لدرجات الحرارة أقرب بكثير إلى ما كان عليه المناخ قبل العصر الصناعي بالمقارنة مع سيناريو المظلة الموحدة.

ويبحث كلاديرا ومعه باحثون آخرون الآن في فكرة الهندسة المناخية الإقليمية، والتي تتضمن مفاهيم مثل استخدام تقنيات تجعل الغيوم فوق البحار أكثر كفاءة في عكس ضوء الشمس، على نحو يتيح تحقيق تأثيرات موضعية محلية. وهكذا يستطيع كل بلد، نظرياً، التلاعب بمناخه دون التأثير على مناخ الآخرين.