قبل فترة ليست بعيدة كانت مكاتب الشركات تكتظ بشبكات الكابلات، ثم جاءت التكنولوجيا اللاسلكية لتوفر لوحات مفاتيح وفأرات كمبيوتر بلا أسلاك. وفجأة صار بالإمكان أن نرى مساحات خالية على المكاتب، بعد أن كانت مزدحمة بالكابلات والأسلاك المتشابكة طيلة العقود الماضية. ألن يكون رائعاً لو تمكننا بطريقة مشابهة من الاستغناء عن كابلات الطاقة وأن يصبح بإمكاننا الوصول إلى التيار الكهربائي دون الحاجة لوصل أجهزتنا سلكياً بمآخذ الطاقة على الجدار؟
هذا هو الحلم الذي راود نيكولا تيسلا، الذي يتم الآن التمحيص في أفكاره من قبل البروفيسور جيم الخليلي في حلقات تلفزيونية خاصة تبث قريباً تحت عنوان قصة الكهرباء.
فقبل حوالي 100 عام، فكر تيسلا وهو مهندس كهرباء أميركي من أصل صربي في إرسال الكهرباء على شكل حزم تنتقل في الهواء عبر القارات. وكان يعتقد، بصورة خاطئة، أنه لن يكون أحد على استعداد لمدّ البنية التحتية الهائلة التي تتطلبها عملية توزيع الكهرباء عبر الأسلاك المعدنية. وهكذا تم ابتكار مفهوم وشيعة تيسلا.
وفي ذلك الحين، نظر الجمهور إلى تلك الأجهزة بعين الحذر خشية من خطورتها. لذلك، ولإقناع الناس بأن الأمر ليس كذلك، درج تيسلا على الوقوف من دون أية وقاية إلى جانب اختراعه، وهو يسلط الطاقة عبر الهواء إلى مصباح. ومع ذلك فقد الداعمون الماليون ثقتهم بهذا الاختراع وسحبوا أموالهم. وهكذا تم التخلي عن المشروع، ومعه رؤية تيسلا للكهرباء اللاسلكية.
اهتمام متجدد
واليوم يتجدد الاهتمام مرة أخرى بالنقل الكهربائي اللاسلكي. والهدف هذه المرة ليس إرسال الكهرباء لاسلكياً عبر العالم، كما كان يأمل تيسلا، وإنما إرسالها في أنحاء المنزل لإيصال الطاقة إلى أجهزتنا التكنولوجية.
وللوهلة الأولى، ربما لا تبدو هذه الفكرة ذكية. فهناك اسم للتيارات الكهربائية القوية التي تنتقل عبر الهواء، ألا وهو البرق. وبالتأكيد، لن يرغب أحد برؤية شيء كهذا في غرفة معيشته.
ولكن هناك طريقة أقل رعباً لنقل الكهرباء عبر الهواء، تسمى الحث المغنطيسي، وربما تكون موجودة في منزلك الآن، إذا كنت تستخدم فرشاة أسنان كهربائية. فللتغلب على مشكلات تآكل الوصلات المعدنية في بيئة الحمام الرطبة، لا تستخدم فراشي الأسنان المعدنية أية وصلات معدنية لإيصال تيار الشحن مباشرة إلى الفرشاة. وعوضاً عن ذلك، يتم تمديد التيار عبر وشيعة في وحدة قاعدية منفصلة. ويولد هذا مجالاً مغنطيسياً ناتجاً عن تأثير يدعى الحث الكهرومغنطيسي، وهو ما اكتشفه عالم الفيزياء الإنجليزي مايكل فاراداي في عام ١٩٣١. وبعد ذلك يحفز المجال المغنطيسي تياراً مشابهاً في وشيعة مثبتة داخل الفرشاة، فيؤدي ذلك التدفق الكهربائي إلى شحنها.
وفي الواقع، فإن طريقة الشحن بالحث المغنطيسي قد استخدمت بالفعل في صناعة وسائد ذكية مسطحة يمكنها شحن الأجهزة الإلكترونية الصغيرة، مثل الهواتف المتحركة ومشغلات إم بي ٣ لاسلكياً.
وإذا كانت لديك واحدة منها، كل ما عليك فعله هو أن تضع هاتفك عشوائياً على تلك الوسادة الذكية وسوف تجــده مشـــحوناً بالكامل عندمـــا تعود لاستخدامه لاحقاً.
تجربة ناجحة
ولقد اكتشف فريق ماساسوستش أن الحقول المغنطيسية المتوافقة رنينياً يمكنها تبادل الطاقة بكفاءة عالية، وطوروا في ضوء هذا الاكتشاف نظاماً يستطيع نقل الكهرباء لاسلكياً بكفاءة فائقة لا تتجاوز فيها نسبة ضياع الكهرباء ٥%. ويقول البروفيسور مارين سوليازيتش، أحد أعضاء الفريق لقد قمنا بتجربة ناجحة تم فيها نقل ٦٠ واطاً لاسلكياً لمسافة مترين. وهي كمية طاقة تكفي تقريباً لشحن كمبيوتر محمول، ناهيك عن هاتف متحرك.
ولقد أسس المعهد شركة تدعى وتريسيتي لاستثمار هذا الابتكار تجارياً، حيث يعتقد القائمون عليها أنه سيكون بإمكان المستهلكين قريباً شراء أجهزة بسيطة تثبت بسهولة في منازلهم لتمكنهم من شحن هواتفهم المتحركة أينما كانت موضوعة حتى لو كانت في جيوبهم. وكذلك الأمر بالنسبة للأجهزة الشخصية الأخرى كالكمبيوترات المحمولة.
