طرحت دراسات أجريت، أخيرا، سلسلة من علامات الاستفهام في مواجهة الطرق التقليدية في التعامل مع الملح، والنظر إليه باعتباره واحدا من فريق «القاتلين الصامتين» للبشر، وبصفة خاصة في ضوء تأثيره الضار على ضغط الدم، وتوجت هذه الدراسات بعنوان دال أوردته مجلة «ساينتفيك أميركان» حول هذا الموضوع، وضع في صدر دراسة متخصصة، وكان نصه «آن الأوان لوقف الحرب على الملح».

ويشير الأطباء عادة إلى مخاطر الاستمرار في الاستهلاك الزائد للملح، الذي اصبح جزءا روتينيا من الحمية الغذائية، وتقول منظمة الصحة العالمية: «يقع العالم في قبضة «أزمة» من الأمراض غير المعدية، ويشكل الملح احد الجناة لتأثيره الضار على ضغط الدم». فهل بإمكان أربعة عقود من النصائح الصحية أن تكون خاطئة؟ هذا ما تحاول مجلة «نيوساينتست» العلمية، الإجابة عنه، في تقرير حديث لها عن الموضوع.تفيد المجلة بان الملح مغذ حيوي يساعد في الحفاظ على توازن السوائل في الجسم، لكن معظم الناس هذه الأيام يتناولون ملحا أكثر مما يحتاجه الجسم، حيث يصل معدل تناوله في الغرب إلى 8 غرامات.

وفي بعض الأماكن في آسيا إلى 12 غراما، هذا على الرغم من أن توجهات الحمية الغذائية الأميركية تتحدث عن تناول 3.75 غرامات منه يوميا، وعلماً ان الطعام المثالي المتوافر للبشر القدماء كان لا يحتوي إلا على الكمية الطبيعية الموجودة في طعامهم، أي اقل من نصف غرام في اليوم. ويرجع الباحث غراهام لوتن الزيادة الملحوظة في كمية الملح الموجودة في الحميات الغذائية لأسباب عدة منها فيزيولوجية ومنها صناعية. فقد طورت البشرية نظاما لإضافة الملح إلى الحمية الغذائية، حيث يوجد في جسم الإنسان برعم للتذوق من أصل خمسة براعم مخصص للملح، الذي يمتاز بأنه كلما اكثر من تناوله زادت الشهية له.

كما إن ما يوازي ثلاثة أرباع الملح الذي يجري تناوله يضاف إلى الطعام حتى قبل وصوله إلى الفم، وتكثر إضافته بالتحديد إلى الغذاء الجاهز. وهذا الاستهلاك الذي لا جدوى منه للملح هو الذي يخيف الأطباء، فالكلى يمكنها إفراز بعض الملح، لكن الجسم في سبيل إبقاء تركيز السوائل مستقرا، يحتفظ بفائض من الماء، يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وهو أحد عوامل الخطر الرئيسية لأمراض القلب والأوعية الدموية.

 

مدافع عنيد

لكن ما هو الدليل على تأثير الملح الضار؟ تقول «نيوساينتست» إن دراسات عدة أجريت على امتداد السنين، وكان واضحا ميلها لخفض كمية الملح في الطعام، منها دراسات عالجت الصلة بين كمية الملح الذي يتناوله الناس ومعدل الأزمات القلبية والسكتة الدماغية، ووجدت علاقة قوية بينهما. ودراسات تدخلت في حمية الناس، وخفضت استهلاك الملح بحوالي غرامين في اليوم على مدى اربع سنوات ووجدت تراجعا بنسبة 25% في أمراض القلب والأوعية الدموية. وبعضها عالج أوضاع بلدان مثل اليابان التي تمكنت منذ 50 سنة من تطبيق برنامج خفض الملح في الطعام إلى 4 غرامات في اليوم من معدل 18 غراما في اليوم، فانخفضت نسبة الوفيات من السكتات الدماغية بنسبة 80%.

لكن الدلائل والإثباتات لم تكن بهذا الوضوح دوما. فقد قامت مجلة «أميركان جورنال أوف هايبرتنشون» أخيرا بنشر تحليل يزعم أن خفض الملح يمكن أن يسبب ضررا. وقالت إن خفض الملح يخفض ضغط الدم، لكن مستويات الدم لبعض الهرمونات والليبديات تزداد، مما يزيد نظريا من خطر الإصابة بالقلب والأوعية الدموية.

إثبات قوي

وهذه الدراسة تعرضت لانتقادات عدة، نظرا للخفض الحاد في كمية الملح المتناول من قبل الذي خضعوا للدراسة، يقول غراهام ماك غريغور أستاذ طب القلب والأوعية الدموية في مؤسسة «وولفسون للطب الوقائي» في لندن: «إن تخفيض الملح بشكل مفاجئ وحاد يمكنه أن يؤدي إلى تغييرات هرمونية ذات نتائج عكسية، لكن تخفيضا متواضعا من 8 إلى 6 غرامات لا يفعل ذلك»، ويرى ان صناعة الملح، كما شركات التبغ، تجد أن افضل تكتيك لمواجهة الداعين إلى خفض تناول الملح في الطعام يكون في نشر الشكوك، في الوقت الذي قلة من الخبراء المستقلين هم ضد خفض تناول الملح فعلا.

ويؤكد أن لدى الأطباء إثباتا أقوى حول تأثير الملح على الجسم أكثر مما لديهم حول الدهون، أو فوائد تناول الفواكه والخضار أو خسارة الوزن، فهل يمكن الوثوق بنتائج تلك الدراسات الحديثة؟