لطالما أظهر العلماء اهتماما كبيرا في طاقة الانصهار النووي، فهي الطاقة التي تغذي كل النجوم بما في ذلك شمسنا. ففي قلب الشمس، حيث تبلغ الحرارة مئة مليون درجة مئوية، تنصهر نوى الذرات الخفيفة مع بعضها البعض لتشكل نوى أثقل، محررة كميات هائلة من الطاقة، التي يصلنا جزء يسير منها ليمدّ كوكبنا بالنور والدفء على مسافة 150 مليون كيلومتر. وأمام عظمة هذه الطاقة الهائلة، كان من الطبيعي أن يراود العلماء حلم ترويضها وتطويعها لخدمة الإنسان منذ عقود طويلة.
ولقد استطاع الإنسان بالفعل إتقان المبادئ العلمية الأساسية للانصهار النووي. وجاءت أول تجربة ناجحة لعملية الانصهار في 1 نوفمبر 1952، لدى انفجار أول قنبلة هيدروجينية بالعالم فوق أرخبيل إنيويتاك بجزر المارشال في المحيط الهادي. وأظهرت تلك التجربة أمرين. الأول أن الطاقة اللازمة لإطلاق شرارة الانصهار النووي هائلة: فالقنبلة الهيدروجينية تتطلب قنبلة ذرية من النوع الذي ألقي على هيروشيما كفتيل لإطلاق التفاعل الانصهاري. والأمر الثاني هو أنه حالما يبدأ الانصهار، يكاد يكون من المستحيل تقريباً السيطرة عليه.
نقطة التعادل
ولقد تعلم الخبراء الاختصاصيون من تاريخ تجارب الانصهار الحافل بالإخفاقات والنجاحات المنقوصة منذ ذلك الحين أن عليهم التعاطي بحذر مع أية ادعاءات أو نتائج أولية تبشر بإمكانية ترويض الانصهار النووي والسيطرة عليه. فنقطة «التعادل» السحرية، التي يبدأ عندها المفاعل ينتج أكثر مما يستهلك من الطاقة، لا تزال مراوغة ومستعصية على العلماء الآن مثلما كانت على الجيل الذي سبقهم. وبرغم كل الجهود التي بذلت لإحراز التقدم على هذا الصعيد، لا يزال هدف التوصل إلى عملية انصهار مضبوطة يبدو بعيد المنال ولا يرجح تحقيقه قبل نصف قرن من الآن.
ومن شأن الانصهار التجاري أن يبدأ بنظيرين ثقيلين للهيدروجين هما الديوتريوم والتريتيوم يتم ضغطهما وتسيخينهما إلى درجات حرارة خيالية. وفي تلك الظروف، يتم تجريد تلك الذرات من إلكتروناتها فتتحول إلى شكل غازي مشحون أو «بلازما».
وفي تلك الحالة، يمكن تحفيز الذرات للانصهار مع بعضها لتشكل نوى الهيليوم، قاذفة نيوترونات خلال هذه العملية. والناتج الثانوي المهم الذي ينشأ عن هذا التفاعل الانصهاري هو كمية طاقة مهولة حقاً، حيث يمكن لكيلوغرام واحد من الوقود الانصهاري أن يولد كمية طاقة نحتاج الآن إلى أكثر من 10 آلاف طن فحم لتوليدها. والمثير للاهتمام أن هذا النوع من الوقود يتوفر بسهولة أيضاً. فبخلاف وقود الذرات الثقيلة اللازم للانشطار النووي، والذي يجب استخراجه من المناجم وتنقيته في عمليات معقدة ومكلفة، فإن الديوتريوم يمكن استخلاصه من الماء. والتريتيوم أيضاً، برغم ندرته في الطبيعة، إلا أنه من الممكن «استيلاده» بالتهجين عن طريق قصف الليثيوم بالنيوترونات الناتجة عن التفاعل الانصهاري ذاته.
لكن ذلك يخفي بين ثناياه مشكلة كبيرة: فانصهار الديوتريوم تريتيوم لا يبدأ إلا في حرارة تفوق 45 مليون درجة مئوية. وبالطبع فإن بلوغ هذه الحرارة يتطلب كميات ضخمة جداً من الطاقة، لكن الأدهى من ذلك أيضاً أنه ليست هناك أية مادة معروفة يمكنها أن تصمد في مثل هذه الحرارة. ولذلك وجد العلماء أنه لا بد من إبقاء البلازما فائقة الحرارة وفائقة الكثافة الموجودة في قلب المفاعل الانصهاري بعيدة عن جدران حاويتها باستخدام الحقول المغنطيسية. وكانت هذه القاعدة الأساسية التي انطلقت منها عدة فرق علمية للعمل على تطوير مفاعلات انصهارية نووية ربما يكون أبرزها الآن المفاعل الضخم الذي يتم بناؤه بطول 1000 متر وعرض 400 متر في كداراش بفرنسا في مشروع علمي دولي مشترك يدعى «إيتر» رصد له تمويل بقيمة 15 مليون يورو، ويتوقع أن يستمر العمل فيه لسنوات طويلة.
آمال كبار
لكن في هذه الأثناء، وفي مبنى غير مشهور على مسافة 9000 كيلومتر في إحدى المناطق الصناعية في ريدموند بولاية واشنطن، يتجمع عدد من الباحثين الطموحين حول جهاز أسطواني رفيع يبلغ طوله حوالي 16 متراً فقط، يأملون أن يحقق الهدف المنشود ذاته قبل حتى استكمال بناء المفاعل «إيتر».
ويعتمد جهاز ريدوموند، الذي يسمى الآن «المحرك الانصهاري»، وهو من بنات أفكار شركة تدعى «هليون إنيرجي» يعتمد على أسلوب مختلف جداً في تأسيس وتقييد تكتلات البلازما يعرف باسم «تشكيل الحقل العكسي». وهي عملية اكتشفت لأول مرة في مختبر أبحاث سلاح البحرية الأميركي في واشنطن عام 1960، وتتلخص في مسارعة كرتين صغيرتين مضغوطتين من البلازما وصدمهما إحداهما بالأخرى بسرعة مئات الكيلومترات بالثانية. ويفترض نظرياً أن تكون الظروف الناشئة عن هذا الاصطدام كافية لإقحام النوى ببعضها، وتسخينها، وإشعال فتيل الانصهار النووي.
وينفرد هذا الأسلوب ببعض المزايا الواضحة. فبرغم الحاجة إلى استخدام الحقول المغنطيسية لإبقاء البلازما بعيدة عن جدران حاويات المفاعل، إلا أن تشكيلاتها يفترض أن تكون أقل تعقيداً بكثير من التصاميم الأساسية التي يعمل عليها العلماء في فرنسا، وبالتالي يمكن للجهاز أن يكون أصغر بكثير. كما ان التفاعل يتم بشكل مركز وينتهي خلال جزء من الثانية، ولا تنتج عنه النيوترونات إلا عند نقطة تصادم كرتي البلازما، مما يسهل عملية جمعها لاستيلاد التريتيوم.
