يقول الخبراء أن وجهاً جديداً لصراعات المياه بدأ يتشكل في الآونة الأخيرة. فلقد قامت كل من الصين و الهند والمملكة العربية السعودية، أخيرا، باستئجار رقع شاسعة من الأراضي في جنوب القارة الإفريقية لفترات طويلة وبأسعار زهيدة للغاية.
والهدف الرئيسي الذي ترمي إليه تلك البلدان هو زراعة محاصيل خارج حدودها باستخدام المياه التي لا تملك البلدان الإفريقية البنية التحتية لاستغلالها. فالقيام بذلك أرخص وأسهل من استخدام موارد المياه المحلية على أراضيها. لكن هذه أيضاً خطة محفوفة بالمخاطر، كما يقول الباحثون.
ويقول فوليد وودهاوس من جامعة مانشستر البريطانية إنه: "ليس هناك من شك بأن تلك التحركات لا تسعى وراء الأرض الزراعية بل تسعى وراء الماء."
ولننظر، على سبيل المثال، إلى المملكة العربية السعودية التي قامت ما بين عامي 2004 و 2009 باستئجار 367 ألف فدان في السودان لزراعة الحنطة والأرز . في الوقت نفسه قامت بتقليص إنتاجها من الحنطة على التراب المحلي الذي يتم ريه من طبقات الصخور المائية غير القابلة للتجدد، بمعنى أنها مورد محدود.
وفي هذه الأثناء قامت شركات في كل من الصين والهند باستئجار مئات الألوف من الافدنة من الأراضي الزراعية في إثيوبيا. ومن المعروف أن كلاً من الصين والهند لديها أنظمة ري متطورة، لكن وودهاوس يقول ان المضي قدما في تطويرها - كنقل المياه من جنوب الصين الغني بالمياه إلى شمالها على سبيل المثال - سيكون على الأرجح أكثر تكلفة من استئجار الأراضي في إفريقيا مما يجعل تلك الخطوة خياراً مغرياً.
لكن لماذا تعبأ تلك الدول باستئجار الأراضي بدلاً من استيراد الأغذية بكل بساطة؟ فاستيراد الأغذية يمكن اعتباره بمثابة استيراد "مياه افتراضية"، لأن إنتاج الأغذية يستهلك حوالي 80 % من كميات المياه العذبة سنويا. الإجابة عن هذا السؤال تأتي من دراسة جديدة تبحث في كيفية انتقال هذه المياه الافتراضية حول العالم وتقدم تفسيرا لإستراتيجية استئجار الأراضي. فلقد قام اجناسيو رودريجيز من جامعة برينستون وسمير سويس من المعهد السويسري الفدرالي للتكنولوجيا ببناء أول نموذج تمثيل رياضي لشبكة تجارة المياه الافتراضية العالمية، باستخدام بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة حول التجارة بالشعير والذرة، الأرز، فول الصويا، القمح، لحوم الأبقار والدواجن في عام 2000. ثم قام الباحثان بدمج تلك البيانات في نموذج هيدرولوجي لتوزيع موارد المياه والأراضي الزراعية.
ويظهر نموذج التمثيل الرياضي أن عددا صغيرا من البلدان لديه عدد كبير من الروابط المشتركة مع البلدان الأخرى، مما يوفر لها إمدادات ثابتة ورخيصة من المياه الافتراضية، حتى لو تأثرت بعض تلك الروابط بفعل الجفاف أو الاضطرابات السياسية. وفي المقابل فهناك عدد أكبر بكثير من البلدان التي لديها روابط أقل بكثير وبالتالي فهي معرضة للتأثر بقوى السوق.
ومع ذلك فإن نادي الأثرياء ربما يزداد قوة في المستقبل. ويتيح النموذج للفريق التنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية، مثل كيف ستتغير الشبكة مع تعاظم شدة موجات الجفاف ومواسم الأمطار العنيفة بسبب التغير المناخي. ويقول سويس إن هذا سيؤدي إلى زيادة شدة الاحتكار، بمعنى أن الأثرياء سيزدادون ثراء .
إستراتيجية طويلة الأمد
ولا تعتبر الصين والهند الآن لاعبين كبيرين في شبكة المياه الافتراضية بالنسبة لحجمهما السكاني، ومع تطور الشبكة، ستصبحان أكثر تأثرا بقوى السوق على نحو يجعلهما في نهاية المطاف يدفعان أثمانا أكبر للأغذية التي يستوردانها. ومن هنا تأتي استراتيجية استئجار الأراضي لأمد طويل في بلدان أخرى كمحاولة لتأمين إمداداتهما من الغذاء والماء في هذا العالم المتغير. لكن تلك قد تكن خطوة قصيرة النظر.
فلقد أثبت باولو أدوروريكو، من جامعة فرجينيا الأميركية، السنة الماضية أن ازدياد حجم التجارة بالمياه الافتراضية يجعل المجتمعات أقل قدرة على التكيف مع مواسم الجفاف الشديد. إذ يسبب ذلك، بحسب قوله، "انقطاعاً بين المجتمعات والمياه التي تستخدمها". والنتيجة الإجمالية لذلك هي أن المجتمعات في البلدان التي تستورد المياه يمكن أن تنمو سكانياً دون كوابح لأنها غير مقيدة بمحدودية موارد المياه المحلية.
استغلال أكبر
ومع أنه من الممكن النظر إلى هذا كأمر إيجابي، فإنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى استغلال أكبر لموارد المياه العذبة في أنحاء العالم. وهكذا ستجف منابع المياه غير المستخدمة الآن والتي تعتبر عامل أمان مهما خلال موجات القحط العصيبة.
ويقول أوديريكو إن: "المحصلة النهائية لهذه الاتجاهات أننا في المستقبل لن نجد ما يكفي من المخزونات الاحتياطية الآمنة لمساعدتنا على التكيف مع أزمة المياه المتوقعة."
والخلاصة أن السعي المحموم وراء موارد مياه جديدة والذي يدفع الآن الاقتصادات الناشئة إلى استئجار الأراضي الإفريقية لزراعة محاصيلها قد يعود عليها لاحقاً بآثار سلبية غير متوقعة.
