لا أحد يعرف على وجه التحديد أين نشأت اللغة، إذ ليس هناك أية تسجيلات لمحادثات جرت بين البشر الأوائل، وكل ما بحوزتنا من آثار هؤلاء مجرد بضعة فؤوس يدوية وبعض العظام الجافة. لكن تلك الدلائل لا تكشف لنا الكثير عن أصول الكلمة المحكية. ومع ذلك، فلقد بدأ العلم الآن يلقي الضوء بشكل مثير للاهتمام على كيفية نشوء اللغة.
يفترض معظم العلماء بأن اللغة، كما نعرفها الآن تقريباً، موجودة منذ ما لا يقل عن 50 ألف سنة، وعلى الأرجح منذ أكثر من ١٠٠ ألف سنة. أي بعبارة أخرى، منذ تاريخ أقدم دلائل أثرية على سلوك الإنسان الحديث، والتي تتضمن استخدام الفنون والقطع اليدوية الرمزية. ويفترض العلماء أيضاً أن جميع اللغات المحكية اليوم تنحدر من لغة مشتركة واحدة كانت تحكى في مكان ما في شرق أفريقيا قبل حوالي 50 ألفاً إلى 100 ألف سنة.
لكن هل يمكن لهذا الأصل المشترك أن يفسر التشابه بين اللغات المختلفة في أنحاء العالم؟ وما هو مدى التشابه الحقيقي بين تلك اللغات؟ وهل يمكن لعالم من المريخ، على سبيل الافتراض أن يستنتج، كما فعل نعوم تشومسكي، أن هناك لغة بشرية واحدة باختلافات هامشية فقط وان كل البشر يتحدثون لغات متفرعة من لغة واحدة؟ أم في المقابل، هل تختلف اللغات البشرية بشكل جذري في مظاهرها الأساسية؟
اجابات
يحاول علماء اللغويات من المدارس المختلفة الإجابة على هذه الأسئلة منذ عقود، حيث يجادل تشومسكي ومعه آخرون بأن القواعد متجذرة في طبيعتنا البيولوجية وأن السمات المشتركة في تراكيب جميع اللغات تشير إلى لغة عالمية مشفرة في جيناتنا. ومن جهة أخرى، يصر لغويون آخرون على أنه يمكن تفسير مظاهر التشابه باعتبارها نتيجة للوظيفة الأساسية المشتركة بين جميع اللغات، ألا وهي التواصل الفعال.
ولقد انضمت ورقة بحث حديثة، نشرت أخيراً، في مجلة نيتشر إلى هذا الجدل العلمي متسلحة بأسلوب إحصائي جديد لتقييم مثل تلك التفسيرات. ويقول مؤلفو البحث ان تحليلهم الإحصائي يلقي بظلال الشك على كلا التفسيرين السابقين وأنه لا يمكن تفسير أنماط ترتيب الكلمات في الجملة لا بالمقاييس المشفرة جينياً ولا باعتبارات التواصل الفعال. وتشير نتائجهم ضمناً إلى أن الأساس الحقيقي الوحيد للعلاقات المتبادلة بين اللغات لا بد أن يكون هو التفسير الثالث، متمثلاً في فكرة أن أحرف الجرّ ترث موقعها مباشرة من أصولها الفعلية.
دلائل
لكن بعيداً عن اختلافات علماء اللغويات حول أصل اللغات وتفسير نقاط التشابه فيما بينها، فإن هناك شبه إجماع على أن اللغات المختلفة تجعل الناطقين بها يرون العالم بطرق مختلفة. وخلال السنوات القليلة الماضية، جمع الباحثون دلائل تشير إلى أن لغتنا الأم يمكن أن تؤثر على أفكارنا، ولو بطريقة مختلفة عما كان يعتقد سابقاً. ويقول هؤلاء ان التأثير الحقيقي للغة الأم لا يكمن في طبيعة الأمور التي تسمح لنا تلك اللغة بالتفكير بها، وإنما في الأمور التي تجبرنا على التفكير بها.
فعادات الكلام التي تزرعها لغتنا الأم فينا - المفاهيم التي نتدرب على اعتبارها مميزة والمعلومات التي تضطرنا لغتنا باستمرار على تحديدها والتفاصيل التي تتطلب منا الانتباه إليها - كلها يمكن أن تشكل عادات معرفة اللغة بحد ذاتها.
ويشير بحث جديد، على سبيل المثال، إلى أن لغتنا يمكن أن تغير إدراكنا البصري للون. فإذا كانت اللغة مثلاً تعامل الأزرق والأخضر كلونين منفصلين (بخلاف لغات عديدة مثل اليابانية التقليدية) فهي بذلك تدرب دماغنا على المبالغة في التمييز بينهما، خاصة بالنسبة لدرجات اللون المتوسطة مثل التركواز.
ومن المجالات الأخرى التي يمكن للغة أن تؤثر على أفكارنا فيها قواعد الجنس في اللغة. فلقد ثبت أن اللغات مثل العربية والفرنسية والألمانية، التي تميز جنس الأجسام الجامدة بالتذكير أو التأنيث تجعل الناطقين بتلك اللغات يميلون إلى إضفاء سمات الذكورة والأنوثة على تلك الأجسام.
