ما الذي يدفع أي جهة إلى بناء ساعة فائقة الدقة على أمل أن تنحرف تكاتها بمرور الزمن؟ هذا ما يقوم به فريق علمي يحاول بناء أول ساعة نووية في العالم، تقوم تكاتها على السلوك الغريب لنواة إحدى الذرات. ويجادل هؤلاء بأن سلوك تلك الساعة يمكن أن يظهر ما إذا كانت بعض القوى في الطبيعة تتقلب بطريقة تنبأت بها بعض نظريات الفيزياء الغريبة.
ومعروف أن أدق ساعات موجودة الآن هي الساعات الذرية التي تستغل حقيقة أن ذرة السيزيوم، أو بعض العناصر الأخرى، تصدر ضوءاً مرئياً أو أمواجاً ميكروية عندما يهبط أحد إلكتروناتها من حالة طاقة مرتفعة إلى حالة أدنى. ويمكن التنبؤ بتردد هذه الانبعاثات بدقة عالية جداً لدرجة أنها تلائم القيام بدور تكات ساعة فائقة الدقة. وتوفر الساعات الذرية التوقيت فائق الدقة الضروري للأقمار الصناعية المستخدمة لتكنولوجيا «جي بي إس» وأيضاً لتحديد طول الثانية.
ساعة مختلفة
أما الساعة النووية فسوف تكون مختلفة. فبدلاً من الاعتماد على الأمواج الضوئية المنبعثة عن الإلكترونات، ستستخدم الإشعاعات التي تنبعث عندما تستثار النواة إلى حالة طاقة أعلى، ثم تهبط إلى حالة طاقة أدنى. «في هذه الحالة، كل الإلكترونات ستبقى في مكانها المعتاد، والنواة وحدها ستشهد التحول»، كما يقول إليكس كوزميتش من معهد جورجيا للتكنولوجيا في ولاية أطلنطا الأميركية.
والمشكلة هي ان مثل تلك التحولات التي تحدث داخل النواة تصدر أشعة سينية أو أشعة جاما عالية الطاقة، وكلاهما من النوع الذي يصعب التعامل معه. ومن بين الاستثناءات القليلة على هذه القاعدة عنصر الثوريوم-229، وهو نظير ينتج في المفاعلات النووية وله عدد إلكترونات أقل بثلاثة إلكترونات من النظير الوحيد الذي يوجد بشكل طبيعي وهو الثوريوم-232. ونواته تستطيع، كما يتنبأ الباحثون إصدار وامتصاص الضوء فوق البنفسجي.
وكخطوة أولى باتجاه بناء ساعة نووية، قام كوزميتش وزملاؤه بتسجيل الضوء المنبعث عن الإلكترونات المستثارة في شوارد الثوريوم-229، حيث أطلق الفريق شعاع ليزر على هدف صلب من الثوريوم-229 في حجرة مفرغة من الهواء، واستطاعوا بذلك نزع الإلكترونات من بعض أجزاء المادة، وقاموا بتبخيرها. ثم استخدموا الليزر مرة أخرى لتبطيء وتبريد البخار الأيوني، بينما حالت الحقول المغناطيسية دون اصطدام الأيونات بجدران الحجرة. وبعد ذلك استخدم ليزر ثالث لاستثارة الإلكترونات في تلك الأيونات المحتجزة. وتمكن الفريق من خلال هذه العملية تسجيل الضوء المنبعث من الإلكترونات في الأيونات المنفردة الهابطة إلى حالة طاقة أدنى.
نتائج مثيرة
ولتحويل هذه الآلية إلى ساعة نووية، يحتاج الفريق الآن أن يحدد بدقة تردد الضوء اللازم لاستثارة نوى الثوريوم-229 ومراقبة الضوء المنبعث عند الهبوط إلى حالة طاقة أدنى. ويقول كوزميتش «إذا شقت شاردة واحدة فقط طريقها إلى هذا التحول النووي، يفترض أن نتمكن من رصدها مباشرة.» وسيتطلب هذا عملية معقدة لتسليط أشعة الليزر بترددات مختلفة على الأيونات أو الشوارد الأيونية المحتجزة، ومواصلة المراقبة إلى ان ينبعث عنها الضوء. ويقول إريك هادسون، من جامعة كاليفورنيا، الذي يعمل بشكل مستقل عن الفريق على نهج بديل للوصول إلى النتيجة نفسها أن النتائج التي حققها فريق كوزميتش «مثيرة حقاً وتمثل قفزة كبيرة» باتجاه بناء الساعة النووية.
ويخطط هادسون وزملاؤه لصدم الثوريوم-229 باستخدام ضوء يطلق من مسارع جسيمات ذرية، مما يسهل التحكم به في طيف عريض من الأطوال الموجية بالمقارنة مع الليزر. وقد يكون من الممكن استخدام الساعة النووية لاختبار ما إذا كانت قوة القوى الأساسية في الطبيعة تتغير بمرور الزمن.
