طيلة عقود، ظلت قوة الكمبيوتر تزداد بوتيرة سريعة، مع تمكن المصممين من حشر أعداد متزايدة من الترانزستورات متناهية الصغر على رقاقة السيليكون، حيث استطاعوا مضاعفة العدد مرة كل سنتين، في المتوسط، ممهدين الطريق بذلك لبناء كمبيوترات شخصية وهواتف ذكية قوية بثمن معقول.

لكن يخشى الباحثون الآن أن يكون هذا التسارع الاستثنائي في قوة الكمبيوترات على وشك أن يصل إلى حده الأقصى. والمشكلة لا تكمن في عجزهم عن حشر المزيد من الترانزستورات على رقائق السيليكون، فهم يستطيعون فعل ذلك، لكن المشكلة أن كل تلك الترانزستورات تتطلب كمية كبيرة من الطاقة تحول دون إمكانية تشغيلها كلها في آن معاً بشكل اقتصادي. كما أن حرارتها يمكن أن ترتفع فوق الحدود المقبولة أيضاً.

والنتيجة المتوقعة من هذا الوضع هي أن الجمهور المهووس بالأجهزة الإلكترونية الذكية، والذي اعتاد على رؤية منتجات جديدة مذهلة في الأسواق في كل موسم، ربما عليه أن يتقبل الآن جيلا جديدا من الإلكترونيات أفضل بقليل فقط من أجهزته الحالية، ولا يحقق قفزات خيالية في السرعة والميزات وانخفاض السعر.

وبعبارة أخرى، فإنه ربما يتعين على جمهور المستهلكين الانتظار لفترة أطول للحصول على جهاز جديد يحقق قفزة حقيقية في الأداء والإمكانيات.

ويقول وليام دالي، كبير العلماء في شركة نفيدا التي تصنع معالجات الغرافيكس، وأستاذ علم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد: في حقيقة الأمر، فإن استخدام هيكلية المعالجات القديمة نفسها، والعمل على اختزال حجمها لن يجدي نفعاً بعد الآن. ولا بد من الابتكار من أجل تحقيق أي تقدم حقيقي الآن.

وقد لخصت ورقة بحث قدمت خلال المنتدى الدولي لهيكلية الكمبيوتر المشكلة بالقول: منذ الآن، تستخدم رقائق المعالجات الأكثر تطوراً عدداً كبيراً جداً من الترانزستورات، لدرجة أنه من غير العملي إيصال الطاقة الكهربائية لها كلها معاً في الوقت نفسه. وهكذا يتم ترك بعض الترانزستورات بدون طاقة، فتصبح مظلمة بحسب المصطلح العلمي، بينما تعمل الأخرى. وتعرف هذه الظاهرة بالسيليكون المظلم. وهي أشبه باتساع رقعة مدينة معينة وتفرعها إلى عدد كبير جداً من الأحياء لدرجة أنها تصبح عاجزة عن توفير الكهرباء بالكامل، فترى بعض الأحياء مظلمة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عنها، بينما تنير الأخرى.

وبدءاٌ من العام المقبل، ستحتاج تلك الرقائق المتطورة إلى إطفاء 21 % من ترانزستوراتها، بحسب مؤلفي ورقة البحث. وخلال ثلاثة أجيال رقائق فقط ، أي نحو ست سنوات، ستصبح هذه القيود أشد أثراً. وفي حين سيزداد عدد الترانزستورات في كل رقاقة، فإن نصفها سيطفأ بالتناوب لتفادي ارتفاع الحرارة الداخلية للمعالج إلى درجة الخطر.

ويقول دوغ برغر، عالم الكمبيوتر في مركز أبحاث مايكروسوف، وأحد مؤلفي ورقة البحث: لا أعتقد أن الرقاقة ستذوب من شدة الحرارة، لكنها ستبدأ بإعطائك نتائج غير دقيقة وفي نهاية المطاف ستنصهر بعض مكونات الدارة الكهربائية، مما سيؤدي إلى تعطيل رقاقة المعالج.

وقد تؤدي هذه المشكلة إلى إبطال مبدأ هام في علم الحوسبة ظل صحيحاً على مدى عقود، وهو ما يعرف بقانون مور. فلقد كان جوردون مور، مؤسس شركة إنتل، أول من تنبأ بأن عدد الترانزستورات، التي يمكن تركيبها بشكل مريح وغير باهظ التكلفة على رقاقة مدمجة واحدة، سيتضاعف مرة كل سنتين تقريباً، فاتحاً الباب أمام تطورات مثيرة ومتسارعة في أجهزة الإلكترونيات الإستهلاكية.

وإذا تباطأت تلك الوتيرة، فسوف يحول ذلك دون إنجاز جزء كبير من الابتكارات التي بات الناس يعتبرونها من المسلمات. ولن يكون هناك كمبيوترات جديدة، أو هواتف ذكية جديدة، أو شاشات تلفزيونية مسطحة جديدة، أو أي من الأجهزة الإلكترونية الجديدة التي أوجدت بين عشية وضحاها صناعة تدر أرباحاً بمليارات الدولارات، وتوظف عشرات الألوف من الناس.

وهناك من يختلف مع هذا الرأي من العلماء الذي يؤمنون بأن الفترة المقبلة ستشهد بالتأكيد ولادة تصاميم وأفكار جديدة تحافظ على وتيرة تطور صناعة الكمبيوتر، كما حدث مراراً وتكراراً في الماضي. ومن بين هؤلاء الدكتور دالي من نيفيدا، والذي يبدو متفائلاً جداً بشأن مستقبل تصميم الرقائق الحاسوبية.

ويقول دالي: الأنباء السارة هي ان التصاميم القديمة متدنية الكفاءة، مما يعني أن هناك مجالاً كبيراً للتطوير والابتكار على هذا الصعيد.