ما القيمة؟ سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه اليوم الأكثر الحاحا، كما أن الاجابة عنه تقتضي الكثير من الأبحاث التي لا تنقصها التعقيدات. السؤال مطروح بقوة اليوم في عالم التسويق والإعلام، وهو مفتوح على أسئلة من قبيل: هل تشابه الحملات التسويقية مرده تشابه المنتجات وخلوها من القيمة؟ أم أن الأمر يعود الى عدم اهتمام المسؤولين عن القرار التسويقي في الشركات، وتحديداً في مستويات القرار العليا، بالابتكار؟ وما الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الجديدة وتطور التكنولوجيا في زيادة مناعة المستهلك تجاه الحملات التسويقية التقليدية؟
هذا يقودنا إلى السؤال التالي... هل استراتيجيات التسويق اليوم منقوشة في الحجر؟ وهل تقوم معظم استراتيجيات الاتصالات التسويقية على مبدأ "أنا أيضاً أريد القيام بالأمر ذاته"؟ إلى حد ما فإن الجواب هو نعم، والسبب، كما تعبّر خبيرة في مجال الاتصالات التسويقية ، هو "أن المنتجات المعروضة تمتلك عددا قليلا جداً من عوامل التميز، وهذا في الواقع يأتي بدءاً من تركيبتها وحتى طريقة تغليفها".
تقول سميرتي سينغ، مديرة اتصالات المجموعة، في وكالة "مانينغ سيلفاج آند لي للعلاقات العامة": كل شيء متشابه بطريقة أو أخرى، وبالتالي فإنه ليس من المستغرب أن تكون استراتيجيات الاتصالات التسويقية متشابهة أيضاً. وتتساءل: هل يمكن أن يقع اللوم على عوامل ابتكار المنتجات؟ أم أن القصة هي ببساطة أن الشركات غير قادرة على إدراك البيئة المتغيرة للعملاء أكثر من أي وقت مضى، وهذا بدوره يؤثر المجال التجاري أو يشل حركته؟
المعادلة تبدأ عادة عند محركي الاقتصادات، بما في ذلك المستثمرون والمتخصصون في التسويق والمبيعات والمديرون التنفيذيون واستشاريو الابتكار واستشاريو الاتصالات، أي مجموعة الأشخاص التي تتولى المسؤوليات والشؤون العليا وتقرر فيما يتصل بدفع نمو السوق. هذه النقطة في السؤال هي: ما مدى استباقية وبصيرة هؤلاء الأشخاص لتحقيق النجاح النهائي لمشروع ما؟
عوامل وظواهر عدة يتوقف عندها الأمر:
1- الربحية.. الغاية المثلى:
يبدو أن الربحية بأي ثمن هي العامل الرئيسي والغاية. لذا فمن أجل تحقيق هذا الهدف؛ عادة ما تأتي المنتجات والخدمات والحملات مغلفة ضمن أكثر أنواع ورق التغليف المتاحة بريقاً. وفي مكان ما على طول الخط هنالك ما يتمحور حول سؤال مفاده ماذا نصنع وكم هو جيد؟ وليس حول فرضية القيمة الحقيقية.
2- موجة "المسؤولية الاجتماعية":
تنفق الشركات ميزانيات لا نهاية لها على وضع حملات التسويق والاتصالات والتي تكون بمثابة خطاطيف للمستهلكين لتجربة منتجات جديدة، وتحويل ولاءاتهم من علامة تجارية ما إلى أخرى، ودفعهم إلى زيادة عدد المنتجات التي يستخدمونها. وخلال الفترة الماضية، يبدو أن كل شركة تقريباً بدأت أيضاً بركوب موجة "مسؤوليات المؤسسة الاجتماعية" العملاقة من أجل أن تظهر مساهماتها تجاه المجتمع. إن أسباب اعتماد مسؤوليات المؤسسة الاجتماعية لا يبدو أنها تتماشى مع أهداف الأعمال، وبالتالي فإنها تظهر عدم فهم لمسؤوليات المؤسسة الاجتماعية بشكل عام؛ وتكشف عن جهود الإنقاذ التي تبذلها الشركة، حيث تتبنى مبادرات إيثارية لتبرير أو نفي المخاطر الناجمة عن عروضها أو منتجاتها.
3- فهم حقيقي لاحتياجات المستهلك:
ومع ذلك، فهل يجري أخذ المستهلكين في الحسبان حقاً؟ إذا كانت الإجابة بنعم، كم سيمضي من الوقت قبل أن يتغير كل شيء؟ الجواب بسيط في واقع الأمر. حان الوقت للشركات لتتوقع ما هو قادم بدقة أكبر، ولاسيما في ظل وجود قوى مشاركة في المعادلة تهدف إلى إملاء اتجاهات المستهلكين المستقبلية في غضون وقت قصير.
وعلى الصعيد العالمي، تسعى الشركات نحو استراتيجيات الاتصالات التسويقية الأكثر فعالية لدفع المنتجات التي ترى أنها أن قادرة على تلبية احتياجات المستهلك. إن استراتيجيات الاتصالات التسويقية الحالية تأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل التي تشمل الاتجاهات الاقتصادية وسلوك المستهلك وطبيعته وحساسيته تجاه الأسعار وهوامش المبيعات ومعايير ابتكار المنتجات ومستويات العائد على الاستثمار، وما إلى ذلك لوضع الحملات التي تعتقد فرق العمل أنها مبادرات مستدامة على المدى الطويل.
4- الحاجة إلى نقلة نوعية:
لقد بات المستهلكون اليوم أكثر ذكاء، يقرؤون المشهد جيداً ويميلون إلى الاستكشاف على جميع المستويات. وتنفق ربة المنزل العادية اليوم قدراً لا بأس به من الوقت في السوبر ماركت وهي تقرأ معلومات ومحتويات المنتجات، وهي تعرف الكثير عن المكونات الغذائية. والمستهلكون على علم بالتراكيب والمكونات التي يمكن أن تضر بصحتهم، ولم يعد السعر والعروض العوامل التي تؤخذ في عين الاعتبار، على الأقل بالنسبة للشرائح الاجتماعية ـ الاقتصادية العليا والمتوسطة. إن هذه الشريحة من المستهلكين لا تقبل الاعتماد على ادعاءات صحية عابرة، أو اعتماد المنتجات من قبل المشاهير والشخصيات المؤثر. هذه هي شريحة المستهلكين الذين يبحثون عن عروض القيمة الحقيقية وليس مجرد إحراز أفضل قيمة مقابل ما أنفقوه من مال.
ويبدو أن غالبية الشركات تتبع المنهجيات نفسها لإيصال ما تقدمه من منتجات وخدمات... لكن هل هذا هو ما يرغب المستهلكون في أن يسمعوه؟ حان الوقت الآن للشركات لتستيقظ وتدرك الحاجة إلى نقلة نوعية، وهذه هي أكثر المسائل ضرورة في الوقت الحالي.
5- تطور وسائل الإعلام:
لطالما كانت وسائل الإعلام عاملاً قوياً في هذا الصدد، ولقد لعبت دوراً فعالاً في جعل مسألة الوصول إلى المستهلك أكثر صعوبة بالنسبة للشركات. ومع الكمية الهائلة من المعلومات التي يمكن الوصول إليها في عصرنا هذا وتطور وسائل الإعلام الاجتماعية، سواء تلك التي على شبكة الإنترنت أو التطبيقات الإعلامية الرقمية أو التطبيقات الأخرى، فالتغيرات التي تطرأ على عادات وطباع المستهلك على المستوى الحقيقي تشهد تزايداً غير مسبوق. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه؛ هل تستوعب الشركات هذه المسألة حقاً؟ يبدو أنها لا تفعل، إذ لا ينعكس ذلك ضمن استراتيجياتها في مجال الاتصال والتسويق.
ما لا تدركه الشركات أن النوايا الصادقة في الوقت الذي يجري فيه الاستثمار هي المقترحات القيّمة الوحيدة التي ستحدد مدى نجاح المشروع مستقبلاً.. وأن المنتجات والخدمات التي تبدو صديقة للمستهلك وللبيئة في الحقيقة هي الوحيدة التي ستزدهر.
المستهلكون اليوم على بينة بشكل جيد جداً من معايير اختيار المنتجات وشرائها، وبالنسبة للكثيرين منهم، فالتكنولوجيا المبتكرة والمحافظة على البيئة أمران يسيران جنباً إلى جنب. والشركات التي لا تكون قادرة على تقييم البيئة الخاصة بشرائح المستهلكين وتضع استراتيجياتها في مجال الاتصال التسويقي وفقاً لذلك، ستكون هي التي تعاني من نكسات كبرى في نهاية المطاف.
وفي ضوء ضخ استثمارات هائلة في مجالات ابتكار المنتجات والبحوث والتسويق والاتصالات، فالشركات بحاجة أيضاً الآن لكي تسأل نفسها إذا ما كان يتم توجيه هذه الاستثمارات في الاتجاه الصحيح ضمن المجالات المذكورة. يبدو أن الجميع يسير في اتجاه وهمي، إذ يعتقدون أنهم يعرفون المستهلك بشكل جيد. وكثيرا ما تستخدم الشركات في مبادراتها مصطلحات مثل «المستهلك الواعي» أو «مستهلك حريص على السعر». لكن هل قام أحد خلال الفترة الماضية بقياس مستوى الوعي الاستهلاكي؟ ألا يعي المستهلكون الحريصون على السعر ما هو العرض غير القيم على المدى الطويل؟
6- من هم وسطاء التغيير المطلق؟
يبدو أن الشركات غير مدركة لقوى معينة داخلة في المعادلة. وهذه القوى هي شرائح أخرى من المستهلكين الواعين جداً، والذين أخذوا على عاتقهم عبء الكشف عن حقيقة عروض الشركات. وهم بالتأكيد يعملون بصمت ولكنهم كحاملي الشعلة، يتحركون وراء الكواليس لنقل الحقائق إلى العلن.
هذه هي الشريحة التي ستعيد صياغة التوجهات الاستهلاكية الراهنة في نهاية المطاف. من الضروري أن يجري الأخذ في الاعتبار أن هذه الشريحة من المستهلكين لم تنشأ من العدم، فهم بقوا لفترة طويلة يتصرفون كمستهلكين عاديين؛ لكنهم كانوا واعين لكل الحيل التسويقية ورفعوا صوتهم الآن، بعدما عانوا من نكسات على المدى الطويل. إنهم أشخاص فضوليون أصحاب رؤية، وهم الآن عازمون على دفع عموم المستهلكين إلى تحويل أنماط الاستهلاك، والانتقال إلى اتباع أسلوب حياة سليم.
وهذه الفئة المستنيرة هي التي ستكون في نهاية المطاف نذيرا للتغيير وستغير في النهاية مسار التجارة والاقتصاد في المستقبل القريب. وحري بالشركات أن تدرك أنه يتعين عليها أن تكون كيانات قوية تستطيع أن تثبت أن عوامل التغيير في نهاية المطاف وتقديم حلول تناسب احتياجات المستهلك. وهذا أمر مهم جداً، إذ إن العمل التجاري المتماسك والموحد يمكنه فعلا أن يدفع عملية النمو للوصول إلى نظام تجاري يتسم بمناخ سليم يضمن نوعية حياة أفضل.
