يعكف فريق من العلماء على تطوير تقنية تخفي خاصة للأجسام تحت الماء، ربما تمهد لتطوير غواصات شبح تجوب الأعماق دون أن تترك وراءها أية آثار تدل على وجودها.
ويتسبب مرور أي مركبة في الماء عادة في اضطراب الوسط السائل بطريقتين. الأولى، انجرار بعض السائل مع المركبة على نحو يعيق طاقة اندفاعها ويؤدي إلى إبطاء حركتها. والثانية، هيجان الماء في أعقابها، حيث يتدفق السائل لملء الفراغ الذي تخلفه وراءها. كما يصدر السائل الهائج المتدفق وراءها أيضاً ضجيجاً يكشف عن وجود المركبة.
لكن يمكن التغلب على المشكلتين معاً من خلال إيجاد طريقة لضمان انسياب السائل حول الجسم المتحرك بالطريقة الصحيحة.
اقتراح فريد
وللقيام بهذا، يقترح ياروسلاف يوزوموف من جامعة ديوك في دورهام بولاية نورث كارولينا الأميركية تغليف المركبة بقوقعة خارجية مخرّمة كالشبكة. ويجب أن تتراوح نفوذية تلك القوقعة الشبكية من مكان إلى آخر بحيث تتفاوت سرعة تدفق السائل خلالها. وهذا يعني أن القوقعة الخارجية والجسم الذي بداخلها لن يخلفا وراءهما أية آثار في السائل، إذا سينفذ السائل إلى القوقعة الشكبية ويخرج منها بذات السرعة وذات الاتجاه.
وباستخدام نماذج التمثيل الحاسوبي، قام فريق يوزموف باحتساب مستوى النفوذية اللازم لجعل جسم كروي يختفي عن الأنظار ويصبح غير قابل للرصد في السائل. وأنتجت التحليلات الحاسوبية نموذجا معقداً يضم بعض النقاط التي يتعين تسارع تدفق السائل من خلالها. وللقيام بهذا، يقترح الباحثون زرع مضخات بالغة الصغر في بنية القوقعة الخارجية لتعزيز معدل التدفق. ويشير الباحثون إلى أنه يوجد بالفعل الآن مضخات لا يتجاوز عرض الواحدة منها بضعة سنتيمترات وتستخدم في الأجهزة الطبية الحيوية.
وتتخلص آلية التأثير الإجمالي للنموذج الذي وضعه العلماء في تسريع تدفق السائل الداخل عند مقدمة القوقعة الخارجية، ومن ثم تركه ليتباطأ إلى سرعته الأصلية عند مؤخرتها قبل خروجه.
وبما أنه ليس هناك، في المحصلة، أي تغيير في حركة السائل عندما تمر خلاله المركبة، لن يكون هناك أية إعاقة في الحركة وأية آثار هيجان للسائل في أعقاب المركبة. وينساب الماء بكل سلاسة حول المركبة أثناء تحركها، وكأنها لم تمر قط من هذا المكان. ويقول يوزوموف من الممكن لمثل هذه المركبة أن تشق طريقها بكل انسيابية داخل الماء دون أن تفسد سكونه على الإطلاق.
لكن لكي يؤدي نمط تخاريم القوقعة وظيفته بنجاح، لا بد من الموازنة بين حجم الجسم وسرعته، أي أنه سيكون هناك شيء على حساب شيء آخر. ولذلك يقول ستيف سيسيو من جامعة متشيغان أن تقنية التخفي في السوائل يمكن تطبيقها فقط مع الأجسام الصغيرة التي تتحرك بسرعات بطيئة، مشيراً إلى أنه ليس من الواضح ما إذا كانت التقنية نفسها يمكن حقاً أن تكون ناجعة مع الأجسام الكبيرة التي تتحرك بسرعات أكبر مثل الغواصات.
لكن يوزوموف يقول ان المهم في الدراسة الحالية إثبات صحة المبدأ العلمي للتقنية مشيراً إلى أنه من الممكن في مراحل لاحقة تطوير نماذج أخرى أكثر تقدماً تناسب الأجسام الأكبر حجماً أو الأشكال المختلفة. ويجادل أن تقنية التخفي في السوائل ما زالت الآن في المهد، وان من البدهي أن تتسع آفاقها بمرور الزمن إذا أخضعت لمزيد من الأبحاث والدراسات شأنها في ذلك شأن كل التقنيات الجديدة التي تولد بإمكانيات متواضعة ثم لا تلبث أن تتطور وتتسع آفاق استخداماتها حتى إلى مجالات لم تكن تخطر ببال المخترع نفسه في كثير من الأحيان.
آفاق المستقبل
ويرجح الباحثون أن تحظى التقنية في حال إثبات نجاحها في النماذج الأولية التجريبية دعماً وتمويلاً كبيرين من مؤسسات الأبحاث العسكرية، لما تنطوي عليه من أهمية كبيرة لسلاح البحرية، إذ ستفتح الباب أمام إمكانية تطوير جيل جديد من الغواصات الشبح التي تستطيع التسلل إلى مياه العدو دون التعرض للرصد.
