انطلقت مركبة فضائية أخيراً لتحط على سطح القمر، بعد أن خطط فريق من هواة الفضاء الرومانيين لإطلاق صاروخ من ثلاث مراحل إلى ارتفاع 18 كيلومتراً عن سطح الأرض، قبل أن يقذف مركبة فضائية غير مأهولة بالرواد باتجاه سطح القمر في محاولة للفوز بجائزة غوغل إكس القمرية. وهم ليسوا وحدهم في هذا المسعى، فهناك 25 فريقاً في أنحاء العالم يتنافسون في هذه المسابقة التي ستمنح جائزتها لأول فريق ينجح في إرسال مركبة إلى القمر لترسل الصور والبيانات الأخرى إلى الأرض.
وتشارك في المسابقة جهات عديدة ومتنوعة، من أندية هواة الفضاء والكليات الجامعية إلى الشركات التي لديها ميزانيات ضخمة، تتنافس فيما بينها للظفر بحصة من الجائزة التي تبلغ قيمتها 30 مليون دولار. لكن الهدف الأساسي الذي يطمح إليه هؤلاء هو تفقد موارد القمر، في إطار يمهد لاستغلال تلك الموارد لاحقاً.
تنافس محتدم
ولقد انضمت حتى الحكومات إلى المسابقة. فالمسبار الصيني "تشانغي 3" سيحط في منطقة تعرف بخليج قوس قزح على سطح القمر بحلول عام 2013، في منافسة محتدمة مع المسبار الهندي "تشاندرايان 2". والولايات المتحدة تعتزم أيضاً إطلاق مركبة فضائية إلى مدار القمر بحلول العام نفسه، بينما ستعمل روسيا على مساعدة الهند في الهبوط على سطح القمر، لكنها ستطلق أيضاً العام المقبل مركبتها الخاصة إلى القمر. من جانبها تخطط وكالة الفضاء الأوروبية أيضاً لإرسال مركبتها الخاصة لتحط في القطب الجنوبي للقمر بحلول عام 2020.
إذن، فلقد بدأ السباق الثاني للوصول إلى القمر. لكن، بخلاف السباق الأول بين الأميركيين والسوفييت، فإن الجائزة هذه المرة هي الموارد: بمعنى أن من يصل إلى القمر أولاً سيضع يديه على الموارد ويستثمرها ويجني الأرباح من ورائها. وهناك مشكلة وحيدة هنا: وهي أنه ليس من الواضح في الوقت الراهن ما إذا كان من الممكن قانونياً امتلاك أي شيء في الفضاء.
والإطار الوحيد المتوفر اليوم يأتي في معظمه من معاهدة الفضاء الخارجي التي صاغتها الأمم المتحدة في عام 1967. "وهي بمثابة الميثاق الأساسي للفضاء، الذي يرجح أن تنبثق عنه كل القوانين المستقبلية،" كما يقول كريس نيومان محاضر مادة القانون في جامعة ساندرلاند البريطانية.
وتهدف المعاهدة التي تم التفاوض عليها أثناء السباق الأول إلى القمر في الستينات من القرن المنصرم إلى درء النزاعات على الأملاك الفضائية عن طريق حظر تملك أي جزء من الفضاء الخارجي أو الأجسام السماوية من قبل أي بلد. لكن بالنظر إلى الزمن الذي صيغت به تلك المعاهدة، والذي كانت فيه صناعة الفضاء حكراً على الحكومات، لم يتم أصلاً التطرق إلى ذكر مسألة ملكية الأفراد أو الشركات الخاصة.
واليوم تسمح هذه الثغرة القانونية نظرياً بالملكية الخاصة في الفضاء، كما يجادل المقاول الأميركي دنيس هوب، الذي تقدم بطلب قانوني لتسجيل ملكية المجموعة الشمسية بأكملها باسمه في 1980، وجنى بعد ذلك الملايين من بيع الأراضي على سطح القمر والمريخ والزهرة على الإنترنت. لكن مطالبة هوب هذه يفندها الكثيرون، بما في ذلك رجل الأعمال غريغ نيميتس، الذي أكد ملكيته للكويكب "433 إيروس" قبل أن يهبط عليه مسبار ناسا في 2001. ويقول نيميتس ان "للأفراد الحق المتأصل في المطالبة بحق ملكية الأشياء غير المملوكة، دون تدخل الحكومات."
لكن امتلاك شيء ما قانونياً، بمجرد التعبير عن النية بامتلاكه لا يكفي، إذ لا بد من الاستحواذ الحقيقي على ذلك الشيء لتثبيت ملكيته. ومن هنا أصل عبارة "الحيازة تسعة أعشار القانون". ولهذا فإنك "إذا أرسلت مركبة فضائية تهبط على سطح كوكب ما بنية المطالبة بملكيته، تكون عندها قد حققت الشرطين معاً: النية والحيازة." كما يقول هاوي الفضاء الروماني بوب، الذي ادعى في 2002 ملكية الشمس في سجل ملكية الكتروني، وهدد مازحاً بفرض رسوم على مالكي العقارات الفكلية - هوب ونيميتس - لقاء استخدامهما لأشعة شمسه.
شرارة المناظرات
وهذا ما ينوي فعله الناشر الأميركي ستيف دورست الذي يحشد الآن دعم عمالقة المال في وادي السليكون لتمويل مشروع مسبار قمري خاص يدعى "المرصد القمري الدولي"، الذي يريد القائمون عليه إرساله إلى القطب الجنوبي على القمر بهدف جني العائدات المالية من أعمال الأرصاد العلمية ومهام بث الاتصالات للمركبات القمرية الأخرى.
ويقول دورست أن المركبة ستسهم أيضاً في دفع قضية حقوق ملكية العقارات الفضائية، إذ سيتم نقش الحروف الأولى من أسماء الأشخاص الذي دعموا المشروع على قاعدة المسبار، بحيث يمكن لكل منهم المطالبة بملكية فدان على سطح القمر.
ويهدف دورست من وراء هذا إلى إطلاق شرارة المناظرات حول هذه القضية المهمة. ويعتقد العديد من الخبراء في أوساط صناعة الرحلات الفضائية الخاصة أن حقوق ملكية العقارات الفضائية الخاصة عامل أساسي لتنمية الفضاء الخارجي.
ويوجز براد بلير من معهد الدراسات الفضائية في موجاف بولاية كاليفورنيا القضية بالقول إن "المستثمرين يريدون أن يطمئنوا إلى أنه لن يكون بوسع أحد طردهم من أي مكان فضائي استثمروا أموالهم فيه".
أطر قانونية
يتناظر المحامون في مفهوم الملكية الفضائية منذ أربعين عاماً. ولكن الآن مع توفر التكنولوجيا الجديدة التي جعلت من استثمار موارد كواكب المجموعة الشمسية احتمالاً قائماً وممكناً، بدأت هذه القضية التي كانت في السابق مسألة أكاديمية بحتة تتحول إلى قضية عملية لها انعكاسات على أرض الواقع.
ويقول كريس نيومان، محاضر مادة القانون في جامعة ساندرلاند البريطانية "لو طلب مني وضع كتاب قانون الفضاء الآن، لوضعت الحقائق في 20 صفحة والأسئلة في 180 صفحة. فهناك قضايا عديدة جداً لم يفكر بها أحد كما كان حال الإنترنت قبل 25 عاماً. لكن هذا كله يفترض أن يتغير الآن لأن الشركات التجارية التي تدخل مجال الفضاء كل عام تحتاج إلى إطار قانوني يضبط نشاطها".
