في عام 1932، تنبأ ونستون تشرشل أننا في غضون خمسين سنة "سنتخلص من عبثية تربية دجاجة كاملة لكي نأكل صدرها أو جناحها فقط، وذلك عن طريق استنبات أجزائها بشكل منفصل." والآن بعد حوالي ثمانين عاماً، يبدو أننا بدأنا أخيراً نقترب من إنتاج اللحم الاصطناعي أو لحم الأنابيب، كما يسميه البعض، وهو عبارة عن نسيج عضلي يتم استنباته في المختبر بدون بقية أعضاء الحيوان.

لكن ما الذي سيجعلنا نأكل لحماً مستنبتاً في المختبر؟ تقدر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن 30 % من مساحة اليابسة الخالية من الجليد على وجه الأرض تستخدم بشكل مباشر أو غير مباشر في إنتاج المواشي الآن، ومع ازدياد الطلب العالمي على اللحم في العقود المقبلة، هناك علامات استفهام كبيرة حول مدى استدامة معدلات إنتاج اللحوم الحالية.

أسباب أخرى

ومن الأسباب الأخرى وراء العمل على تطوير لحم الأنابيب، التأثيرات الضارة على البيئة التي يسببها إنتاج اللحم بكميات كبيرة بالطرق التقليدية. فبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فإن تربية المواشي تنتج 20 % من غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة البشرية. وفي الحقيقة فإن أضرار تربية المواشي على هذا الصعيد تفوق أضرار قطاع المواصلات. ويتم أيضاً حرق كميات كبيرة من الوقود خلال عملية إنتاج اللحوم، في مراحل النقل والتخزين والمعالجة. كما أن الحيوانات المجترة مثل الأبقار تنتج غاز الميثان، الضار بالبيئة، كناتج ثانوي لعملية الهضم، وكذلك فإن معالجة ملايين الأطنان من فضلات الحيوانات كل سنة يطلق كميات كبيرة من الميثان وأكسيد النتروز إلى الغلاف الجوي، ناهيك عما يسببه ذلك من تلويث للمياه الجوفية.

ويتم استنبات اللحم الاصطناعي عن طريق عزل خلايا جذعية من حيوان حي، وتحفيز تلك الخلايا على الانقسام والتطور على شكل عضلة. ولقد قام الدكتور فلاديمير ميرونوف، الذي يعتبر من وراد أبحاث استنبات اللحم التركيبي في العالم، بإجراء دراسة حديثة في جامعة ساوث كارولينا الطبية بالولايات المتحدة، تمكن من خلالها من استنبات لحم أبيض من خلايا خذعية مأخوذة من ديك حبش، لكنه أشار إلى أن العملية نفسها يمكن أن تستخدم لاستنبات لحم البقر أو الغنم على سبيل المثال.

وحالما يتمكن العلماء من إنتاج نسيج عضلي يشبه اللحم الحقيقي، ستتمثل الخطوة التالية في الانتقال إلى مرحلة الإنتاج بكميات كبيرة. لكن الأنابيب والأوعية المخبرية المستخدمة في هذه التجارب لا تصلح بطبيعة الحال إلا لإنتاج عينات ضئيلة جداً من اللحم، وإنتاج كميات تجارية يتطلب أوعية ضخمة وبيئات معقمة كبيرة لمنع تلوث اللحم المستنبت بالبكتيريا والأمراض. وهذا يعني أن العلماء سيحتاجون أولاً إلى بناء "مفاعلات بيولوجية" تسمح لهم برفع سقف الإنتاجية حسب الحاجة.

لكن لا يزال هناك تحديات تقنية كثيرة يجب التغلب عليها قبل التفكير في نقل اللحم المستنبت مخبرياً إلى مرحل الإنتاج الصناعي. ويقول البروفيسور، مارك بوست، عالم الفسيولوجيا في جامعة ماستريشت الهولندية أن النسيج العضلي التركيبي يحتاج إلى ممارسة تمارين رياضية لكي ينمو بشكل طبيعي، ولذلك يقوم بوست بصعقه بنبضات كهربائية ضعيفة بقوة 20 فولت كل ثانية، لتحفيز النسيج على الانقباض، مثل العضلة الحقيقية في الحيوان الحي.

استنبات اللحم

ومن التحديات الأخرى استنبات اللحم بحيث يكون له كتلة ثلاثية الأبعاد تتخذ شكلاً مجسداً كشريحة الستيك. ويتم الآن نقع اللحم المستنبت مخبرياً في وسط حيوي يحتوي على الأكسجين ومواد مغذية أخرى كالأحماض الأمينية والسكر والمعادن. وهذا يعني أن حجم اللحم مقيّد بدرجة انتشار تلك الجزيئات بين العضلة والوسط الحيوي. وهناك حاجة إلى أوعية دموية لإيصال المواد المغذية إلى منتصف النسيج، من أجل إبقاء الخلايا الموجودة هناك على قيد الحياة. ولذلك فإن إنتاج اللحم المستنبت محدود حتى الآن في طبقات رقيقة جداً لا تتجاوز سماكتها 0.3 ميليمتر، ويتعين على العلماء إيجاد طريقة لتضمين النسيج العضلي شبكة من الأوعية الدموية، لكي يتمكنوا من إنتاج شرائح لحم كبيرة نسبياً.

ومما لا شك فيه أن استنبات عضلة في المختبر يعتبر خطوة عملاقة في الهندسة النسيجية، لكن العلماء سيحتاجون إلى استنبات عدة أنواع مختلفة من الخلايا معاً حتى صبح اللحم الاصطناعي صالحاً للاستهلاك البشري.

ويقول ميرونوف "علينا أن نوفر المزيج المناسب من المواد المكونة، وحالما يتحقق هذا سيكون للحم الأنابيب طعم اللحم الحقيقي نفسه."a

فوائد محتملة

هناك فوائد صحية محتملة مرجوة من تناول لحوم الأنابيب المجهزة في المختبر. فعلى سبيل المثال، ستقل بطبيعة الحال مخاطر تلوث اللحم بجراثيم السالمونيلا و"إي كولي" وبملوثات أخرى مثل روث الحيوانات نفسها، وهو ما سيساهم في التغلب على أهم سبب للأمراض المنقولة بواسطة الغذاء. كما أن التحكم بنسب وأنواع الدهون في اللحم المستنبت مخبرياً قد يجعله خياراً صحياً أكثر من اللحم العادي، إذ من الممكن إنتاج اللحم بحيث يحتوي على كميات أقل من الدهون المشبعة ومستويات أكبر من أحماض أوميغا- 3 الدهنية المفيدة.