إذا كان هناك من شيء واحد يرمز إلى النجاح المبهر والفشل الذريع لتكنولوجيا القرن الواحد والعشرين، في آن معاً، فهو البطارية. ففي كل سنة، ننفق حوالي 50 مليار دولار على البطاريات، التي يستخدم معظمها في كاميراتنا وهواتفنا المتحركة وكمبيوتراتنا المحمولة. وهي تمنحنا قدرات ما كان يحلم بها آباؤنا. ومع ذلك، فإن البطاريات لا تزال تمثل مصدر متاعب رهيب بالنسبة للمهندسين الذي يتعين عليهم اختزال حجمها لتتسع لها الأجهزة الصغيرة، وأيضاً بالنسبة لملايين المستهلكين الذين يلعنونها كلما نفذت بطاريات هواتفهم وأجهزتهم المحمولة.
لكن هذا الوضع قد يكون في طريقه للتغير أخيراً، مع بدء الباحثين في إعادة التفكير في بنية وطبيعة وسائل التخزين الكهربائية. ويتنبأ هؤلاء بوقت يتم فيه تخزين الطاقة الكهربائية التي نحتاجها في نسيج الحياة العصرية بحد ذاته، أي في المواد العادية المستخدمة في الصناعة وبخاصة البلاستيك. وبطبيعة الحال فإن تسخير المواد المألوفة بهذه الطريقة، لا يعد فقط باستمرار تدفق الطاقة لسد حاجتنا أينما ذهبنا، بل قد يعني نهاية البطارية كما نعرفها الآن. ففي المستقبل، ستجد أن ذلك الغطاء البلاستيكي لهاتفك الذكي لن يقوم فقط بدور حماية دوائره الإلكترونية الداخلية، وإنما سيمدها بالطاقة أيضاً. كما أن جدران وأرضيات منزلك يمكن لها هي الأخرى أن تقوم بدور مزدوج كبنية تحتية تمدّ أنوار البيت بالكهرباء.
تطبيقات أساسية
وبحسب، إميل غرينهالف، عالم المواد في جامعة إمبيريال كوليدج بلندن، فإن التكنولوجيا الجديدة قد تبصر النور أولاً في تطبيقات أساسية ينتظرها العالم منذ عقود مثل السيارات الكهربائية. ومن المرجح ألا يتغير شكل سيارتك المستقبلية، لكن هيكلها الخارجي الأنيق ربما يصنع من مواد تركيبية خفيفة وليس من الفولاذ. وإذا نجح غرينهالف في الوصول إلى مبتغاه، فإن جسم سيارتك سيساعد في تخزين الطاقة التي يحتاجها محرك سيارتك الكهربائية. ويقول غرينهالف نعنقد أن سيارة المستقبل ربما تستمد طاقتها من سقفها أو أبوابها أو غطاء محركها.
ولقد بزغت رؤية غرينهالف لثورة تكنولوجيا تخزين الطاقة لأول مرة في 2003، عندما جاء إليه باحثون من مختبر تكنولوجيا وعلوم الدفاع، وهو وكالة أبحاث حكومية بريطانية. وكان الباحثون الحكوميون يبحثون عن مادة جديدة لبناء المركبات الجوية غير المأهولة، بحيث تكون قوية بما يكفي لتحمل وزن المركبة، لكن بشرط أن تكون أيضاً قادرة على تخزن الطاقة الكهربائية. ولقد أثار هذا المسعى الطموح اهتمام وفضول غرينهالف الذي بدأ مع زملاؤه في العمل على تصميم مادة تمتلك تلك المواصفات.
مادة ثورية
وانطلق الباحثون في عملهم من مادة كانت أصلاً تحدث ثورة في صناعة الطيران، وهي الألياف الكربونية. وهي مادة معروفة بقوتها الفائقة ووزنها الخفيف. وعند استخدامها لتقوية الراتنجات البلاستيكية المعروفة أيضاً باسم الريزين، فهي تشكل مادة مركبة قاسية جداً تستخدم في صناعة سيارات سباقات فورمولا وان وطائرات الركاب الجديدة من طراز بيونغ 787 دريملاينر. ومع أن مركبات الألياف الكربونية غير معروفة بقدرتها على تخزين الكهرباء، فإن الألياف تعتبر عناصر ناقلة جيدة للكهرباء وهي خاصية مفيدة إذا أردت استخدامها لتخزين الشحنات الكهربائية. ويقول لايف آسب، من معهد أبحاث سويري سيكومب السويدي إن بعض الألياف الكربونية المتوفرة تجارياً قادرة على القيام بأداء جيد حقاً إذا استخدمت كأقطاب كهربائية، وهو أمر لم نكن نتوقعه على الإطلاق.
وبدلاً من بناء بطارية بتصميم جديد، قرر غرينهالف تركيز جهوده على تطوير وسيلة أخرى لتخزين الطاقة: وهي الكباسيتور أو المكثف، وعمل على بناء مكثف سوبر بأداء فائق. يوجد في البطارية قطبان يفصل بينهما إلكتروليت، أي مركب أو سائل يوصل الكهرباء. ويتسبب الفارق في الشحنة الكهربائية بين القطبين بتدفق الأيونات المشحونة عبر السائل عندما تكون البطارية جزءاً من دائرة كهربائية، فيتدفق التيار. ولذلك، تخزن البطاريات الكهرباء بشكل كيميائي، بينما في المكثفات، تتراكم كل الشحنة الكهربائية على القطبين، الذين تفصل بينهما طبقة عازلة. وبفضل صلابة بنية المكثف، يمكن تكييفه بشكل أسهل لتحمل الأوزان الثقيلة.
وجلبت الأنابيب الكربونية النانومترية فائدة غير متوقعة، فهي لم تخزن كمية كبيرة من الشحنات الكهربائية وحسب، بل وجعلت أيضاً المكثف السوبر فائق القوة. والنتيجة لوح قاس وخفيف الوزن يمكنه تخزين 1 واط ساعي لكل كيلو من وزنه.
ويرأس غرينهالف الآن مشروع أوروبي يدعى ستوريج بالتعاون مع شركة فولفو، يهدف إلى بناء سيارة كهربائية هجينة يتم فيها الاستعاضة عن لوح فولاذي كبير في أرضيتها بلوح مكثف تركيبي، يعمل كوسيلة تخزين كهرباء، ويسهم من خلال اختزال حجم البطارية الأساسية وتوفير وزن الفولاذ، بخض وزن السيارة الإجمالي بنسبة 15 بالمئة.
المفتاح الأساسي لبناء مكثف قادر على تخزين الكهرباء بكميات يمكن الاستفادة منها للأجهزة الإلكترونية الشخصية هو توسيع مساحة سطح القطبين إلى أبعد حد ممكن. ولذلك قام غرينهالف بتغليف كل ليف كربوني بطبقة قاسية من الأنابيب الكربونية النانومترية الموصلة للكهرباء. ثم قام بحياكة هذا النسيج الشبيه بمكرونة السباجيتي بقطبين مسطحين، وأضاف طبقة عازلة من الألياف الزجاجية بينهما، وغلفها جميعاً بالراتينج المتبلمر.
