يقوم الباحث جاستن وليامز، من جامعة وسكونسن الأميركية، بوخز دماغه بأداة حادة، ثم يراقب ما يحدث من خلال عدسة الميكروسكوب. ويدرس كيفية استجابة الدماغ للإصابات، ولقد أظهرت بالفعل النتائج الأولية التي توصّل إليها حتى الآن أموراً جديدة لم تكن معروفة من قبل. ويقول وليامز: «وجدنا أن الخلايا المناعية تستجيب بشكل أسرع بكثير مما كنا نتوقع، كنا نظن أن هذه الخلايا تبدأ بالاستجابة خلال ساعات أو أيام، لكننا وجدنا أنها تستجيب خلال دقائق».

وبالطبع فإن الدماغ الذي يخزه وليامز بالإبرة ليس دماغه هو، وإنما عينة نسيجية مأخوذة من دماغ فأر مخبري ومثبتة على جهاز يسمى «دماغ الرقاقة»، حيث يتم تعليق النسيج الدماغي بين طبقتين من البلاستيك ويحاط بسائل غني بالمواد المغذية. ولقد قدم وليامز نتائجه عن الاستجابة المناعية في الدماغ خلال منتدى وايس الدولي الذي أقيم في مدينة بوسطن الأميركية أخيراً.

 

تمثيل الأعضاء الداخلية

وسبق أن قام الباحثون بتمثيل أعضاء داخلية أخرى عدة بشكل منمنم، من القلوب النابضة والرئات المتنفسة إلى الأكباد العاملة وأقنية فالوب. والآن يحاول وليامز وزملاؤه استنباط طرق لتوصيل تلك الرقائق مع بعضها البعض، ليكون ذلك بمثابة خطوة باتجاه إيجاد «جسم على رقاقة».

ويحتوي كل عضو ميكروسكوبي على جزء مركزي حي من الخلايا الحيوانية معلق في سوائل غنية بالمواد المغذية، وتظهر كل تلك الأعضاء كيف تستجيب الخلايا داخل الجسم بطريقة تعجز عنها زرعات الخلايا التقليدية.

وعلى سبيل المثال، عندما أوجد فريق دونالد إينجبير في معهد وايس للهندسة المستلهمة بيولوجياً بجامعة هارفرد «رئة تتنفس على رقاقة» العام الماضي، اكتشفوا ان آلية عملية التنفس بحد ذاتها، الطريقة التي تتمدد وتنقبض بها الخلايا، هي على ما يبدو التي تحفز الاستجابة الالتهابية للجسيمات النانومترية التي تدخل الرئة من مخلفات صناعة النانوتكنولوجيا، وقد تكون مؤذية في بعض الأحيان. وبالمقارنة فإن دراسة خلايا رئوية ساكنة في زرعة مخبرية ما كان لها ان تكتشف أهمية آلية التنفس.

ويقول إينجبير إن الأعضاء المستنبتة على الرقائق المخبرية يمكن ان تقوم ببعض الأدوار التي تعجز عنها تجارب الحيوانات. فعلى سبيل المثال، يمكن تصميمها لتكون «شخصية»، وذلك عن طريق بنائها من خلايا الشخص نفسه. ونظرياً، يمكن للطبيب إرسال عينات من النسيج إلى المختبر لاختبار تأثير خيار علاجي محدد يمكن أن تكون له مخاطر معينة على مثل هذه الرقاقة قبل أن يعطي الوصفة للمريض. وستكون مثل هذه التقنية مفيدة بشكل خاص للأشخاص المصابين بالسرطان، نظراً لأن العلاجات المختلفة المتوافرة يمكن أن يكون لها تأثيرات مختلفة من شخص لآخر. وهكذا يحصل الطبيب على إجابة سريعة في ما إذا كان العقار سينفع المريض أم لا.

ولتحقيق هذه الأهداف كلها يعمل إينجبير وزميله كيفين كيت الآن لتخطي مرحلة مجرد استنبات نسخ منعزلة من الأعضاء على الرقائق المخبرية والبدء بتوصيل تلك الأعضاء مع بعضها البعض. وفي الاجتماع السنوي لجمعية علم السموم الذي انعقد في واشنطن في وقت سابق هذه السنة، استعرض بارك كيفية عمل قلب نابض منمنم، استنبت على رقاقة عن طريق تغطية طبقة متبلمرة مرنة بخلايا قلب مستخلصة من خلايا جذعية جنينية مأخذوة من فأر.

انقباض الخلايا

وتنبض خلايا القلب من تلقاء نفسها، كما في القلب الحي. وعن طريق قياس درجة انحناء الطبقة المتبلمرة، يستطيع باركر أن يرى ما إذا كانت الخلايا تنقبض بالشكل السليم. ويمكن مثلاً بهذه الطريقة اختبار عقاقير فشل القلب، وهي حالة مرضية تنتج عن فشل خلايا القلب في الانقباض بالقوة المطلوبة. ويقول باركر: «نحن نعمل مع شركة صناعات دوائية للقيام بهذه الوظيفة بالتحديد».

ومن الممكن ان يتم قريباً وصل قلب باركر برئة إينجبير، حيث يحاول الباحثون تقليد التفاعل الطبيعي بين الأعضاء المختلفة في الجسم. وقد يكون جهاز الرئة مفيداً في اختبار تأثيرات عقاقير الإيروسول في القلب، فضلاً عن قياس التأثيرات القلبية للجزيئات المستنشقة من الهواء الملوث. ويقول باركر: «الاختبار الكبير سيكون في معرفة ما إذا كانت الرئة يمكن أن تؤكسد أنسجة القلب، ونحن لا زلنا نحاول استنتاج آلية حدوث هذا التأثير».

وإذا استطاع فريق باركر حل هذه المسألة، يمكن نظرياً للقلب المستنبت على رقاقة أن يضخ سائلاً بديلاً عن الدم إلى الرئة المستنبتة على رقاقة، والتي يمكنها بدورها أن تؤكسد الدم وتعيده إلى القلب، مقلدة بذلك ما يحدث بشكل طبيعي في الجسم.

لكن حالما يتم وصل القلب المصغر بالرئة المصغرة، لن يتوقف الباحثون عند هذا الحد، كما يقول باركر، الذي يأمل أن يكون الدماغ هو العضو التالي الذي سينضم إلى القائمة تمهيداً لاستكمال بناء جسم كامل على رقاقة مخبرية. محاكاة بيولوجية

يمكن استخدام مثل هذه الأعضاء المستنبتة على رقائق لمحاكاة وظائف الأعضاء البشرية وكيفية استجابتها للعقاقير الدوائية، بحسب إينجبير، الذي يقول ان هذه التقنية ربما تتيح في المستقبل الاستغناء بشكل كامل عن اختبار العقاقير على الحيوانات المخبرية، مشيراً إلى أن «اختبار العقاقير على الحيوانات عملية مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، ناهيك عن أن الحيوانات تختلف عن البشر في العديد من جوانب بنيتها البيولوجية».