طور العلماء منذ فترة طائرة حوامة صغيرة تدعى «بليكان» يتم التحكم بها عند بعد تزن أقل من كيلوغرام، وتعمل على بطارية تمكنّها من الطيران لمدة 20 دقيقة. لكن في إحدى الأمسيات في شهر أكتوبر الماضي، حلقت «بليكان» إلى ارتفاع عشرة أمتار وبقيت تحوم في مكانها في ذلك الارتفاع طوال الليل. ثم أنزلت في الصباح التالي عندما حان موعد فتح صالة العرض التي تحوم بداخلها قرب مدينة سياتل للزوار.

ولقد تم تحقيق هذا الإنجاز الاستثنائي عن طريق الاستخدام الخلاق لشعاع ليزري تم تسليطه بشكل متواصل من الأرض على خلايا الطاقة الضوئية المثبتة أسفل «بليكان»، حيث شحن بطاريتها وأبقاها تحوم لفترة قياسية غير مسبوقة بلغت 12 ساعة و27 دقيقة. واستخدم نظام تعقب بصري لإبقاء الشعاع الليزري مركزاً على هدفه، مما أوجد تجربة «مثيرة علمياً وإن كانت مضجرة بعض الشيء»، كما يقول مايكل أشتيليك، من شركة «أسندينغ تكنولوجيز» الألمانية التي تصنع المروحية «بليكان» بعد أن أمضى ليلة كاملة يراقب بيانات التحليق.

وأهم ما في الأمر أن هذا ليس التطبيق المفترض الوحيد لأشعة الطاقة، كما تسمى هذه التكنولوجيا. فقبل خمسة أعوام، عرضت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جائزة نقدية لأي فريق يمكنه بناء روبوت يمكن إمداده بالطاقة عن بعد قادر على تسلق كبل مرفع. ولم يستحق أحد هذه الجائزة حتى عام 2009، عندما استعرضت ثلاثة فرق من كل من أميركا وكندا روبوتات متسلقة يتم إمدادها بالطاقة عن طريق أجهزة ليزر على الأرض.

ولقد كسبت شركة ليزرموتف، التي صممت نظام الليزر للحوامة «بليكان» والتي يقع مقرها في سياتل بالولايات المتحدة، جائزة بقيمة 900 ألف دولار بعد أن نجحت في إيصال الطاقة عن بعد لروبوت يزن 5 كيلوغرامات تسلق إلى ارتفاع كيلومتر على كبل متدل من مروحية كبيرة يقودها طيار. حيث تم تسليط حزمة ليزر، تستهلك كهرباء كافية لإنارة خمسين مصباحاً صغيراً، على لوح كهربائي ضوئي مثبت على الروبوت، مولدة بذلك طاقة كهربائية أدارت مجموعة عجلات صغيرة مثبتة على الكبل.

ومن بين الأسباب التي تقف وراء تحمس ناسا لدعم تكنولوجيا أشعة الطاقة أملها في إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا في يوم من الأيام للمساعدة في تشغيل مصعد فضائي، وهو عبارة عن آلة، مألوفة في الخيال العلمي، يعتقد بعض المهندسين أن من الممكن بناءها في الواقع. وتتمحور فكرة المصعد الفضائي في جوهرها حول مدّ كبل عملاق إلى ارتفاع عشرات آلاف الكيلومترات يثبت في مكانه بفعل القوة النابذة لدوران الأرض. ويتم بعد ذلك إطلاق روبوتات متسلقة للكبلات تدفع بواسطة شعاع ليزري من الأرض إلى الفضاء، أو من الأقمار الصناعية إلى الأسفل، حاملة معها التجهيزات والحمولات من وإلى المدار. وهكذا قد تصبح الصواريخ الفضائية فائضة عن الحاجة.

والأمر لا يتوقف عن هذا الحد، إذ يقول أندي بترو، من مكتب تكنولوجيا ناسا في واشنطن دي سي، ان تسخير تكنولوجيا «تسليط الطاقة» بهذه الطريقة قد يحدث تغيراً جذرياً في الاعتبارات الاقتصادية لاستكشاف الفضاء. ويقول بيتر انه يمكن أيضاً استخدام الليزر المسلط من المركبات الفضائية المرسلة إلى كواكب أخرى، لإيصال الطاقة إلى المناطق الغائمة على القمر أو المريخ، مثل الفوهات البركانية حيث يمكن أن يوجد الماء.

كما ان تكنولوجيا تسليط الطاقة تزداد فعالية بمرور الوقت. فقبل بضع سنوات فقط، كانت فعالية أجهزة الليزر في تحويل الطاقة الكهربائية المستخدمة لشحنها إلى قوة ليزرية حوالي 40 بالمئة. أما الآن فقد ارتفع هذا الرقم إلى 60 بالمئة، كما انخفضت التكلفة بشكل كبير نتيجة الجهود المبذولة لتحسين أداء الطابعات المكتبية الليزرية وناسخات أقراص السي دي وحتى أجهزة العناية الجلدية المستخدمة لنزع الشعر الزائد. وإضافة إلى ذلك فلقد ابتكر المهندسون طريقة لجعل حزم الليزر أكثر تركيزاً، وذلك عن طريق استخدام أطوال أقصر من الألياف الضوئية لتضييق قطر الحزمة. وتتمتع مثل هذه الأجهزة الليزرية بكفاءة أفضل في تطبيقات تسليط الطاقة لأن الخلايا الضوئية التي تجمع الضوء الليزري يمكن أن تكون أصغر حجماً.

وبعد نجاح تجربة الحوامة المصغرة «بليكان» تتجه الأنظار إلى استخدام هذه الكنولوجيا في تغذية الطائرات الصغيرة التي تحلق بدون طيار بالطاقة عن بعد. وفي الوقت الحالي تعتمد معظم هذه الطائرات على البطارية، لذلك تكون رحلاتها قصيرة. ولقد أظهر مسؤولون في الجيش الأميركي اهتمامهم بالحصول على أنظمة تسليط طاقة للطائرات التي تستخدمها الوحدات الخاصة، كما بادرت وكالة أبحاث الدفاع المتقدمة برعاية المزيد من الأبحاث في هذا المجال.

 

كفاءة كبيرة

 

تصمم الألواح الضوئية التقليدية، المصنوعة من السيلكون، بحيث تجمع الطاقة من الأطوال الموجية لضوء الشمس. أما نظام ليزرموتف فيستخدم خلايا خاصة مصنوعة بالزرنيخ والغاليوم، وذلك لكفاءتهما في احتجاز الأطوال الموجية القريبة من تحت الحمراء التي يستخدمها شعاع الليزر. واستطاع اللوح الضوئي المثبت على الروبوت، والذي يقارب في حجمه صينية القهوة، جني ما يكفي من الطاقة لتشغيل آلة جزّ عشب صغيرة. ويقدّر جوردان كير، أحد مؤسسي ليزرموتف، أن بإمكان ليزر مشابه إيصال نفس الكمية من الطاقة لارتفاع 20 كم إذا كان اللوح الضوئي أكبر ببضع مرات فقط.