يقول العلماء أن الإنسان الأقل معرفة قد يكون مدرساً أكفأ وطالباً أفضل وشخصاً أسعد إجمالاً، وربما يكون حتى أكثر ثراءً أيضاً.
هناك مزايا عديدة للجهل في الواقع. ومع اننا جميعاً نطمح لأن نكون أذكياء، لكن يبدو الآن أن الجهل ربما يكون نعمة بالفعل، كما يقول كيت كورنل من كلية وليامز في وليامستاون بولاية مساشوستس الأميركية.
وتعود نشأة هذه الفكرة، جزئياً على الأقل ، إلى ساحة لبيع السيارات المستعملة في الولايات المتحدة. في ثمانينيات العقد المنصرم، حيث لاحظ بعض علماء الاقتصاد السلوكي أن بعض باعة السيارات هناك كانوا يخطئون في تقدير السعر الذي يمكنهم أن يبيعوا به سياراتهم. والملفت أن أولئك الباعة كانوا يعرفون كل شيء عن سياراتهم بكل محاسنها ومساوئها. ولذلك افترضوا أن زبائنهم يعرفون كل هذا أيضاً.
وهكذا كانوا يحددون أسعار سيارتهم المستعملة على هذا الأساس. لكن في الحقيقة أن زبائنهم لم يكونوا على علم بالعيوب الثانوية الصغيرة التي خفض الباعة السعر لأجلها، وكان من شأنهم أن يدفعوا سعراً أعلى للحصول على السيارات ذاتها. وخلص الباحثون الاقتصاديون إلى أن أولئك الباعة كانوا يعانون من لعنة المعرفة. ومن هنا استنتجوا ان البائع الذي يجهل قيمة سيارته الحقيقية يمكن أن يبيعها بسعر أعلى بالمقارنة مع أقرانه الذين لديهم معرفة تفصيلية عن سياراتهم.
وسرعان ما لاحظ علماء النفس هذا التأثير أيضاً، وتتابعت بعد ذلك الدلائل على لعنة المعرفة في مختلف ميادين البحث، بحسب عالمة النفس سوزان بريتش من جامعة برتيش كولومبيا في مدينة فانكوفر الكندية. ومن الأماكن التي يتجلى فيها هذا الأمر بشكل واضح غرفة الصف.
حيث تقول بريتش إن الجهل يمكن أن يكون نعمة في التعليم، رغم المفارقة اللفظية الكبيرة التي تنطوي عليها هذه العبارة. فلكي يستطيع المعلم أن يدرس تلاميذه بشكل فعال، عليه أن يرى الأمور من منظورهم وكلما ازدادت معارفه، كان ذلك أصعب عليه. وتشير بيرتش إلى أنه أحياناً يكون المعلم الأقل خبرة أفضل في شرح المعلومة بالمستوى الصحيح من التفصيل.
وفي الواقع، أنك عندما تحاول شرح فكرة لشخص أقل معرفة منك، فإن تحليك بقليل من الجهل سيساعدك في الحكم على مدى معرفة ومهارات ذلك الشخص بدقة أفضل، سواء كان ذلك في عالم المال والأعمال أو على مستوى التواصل الاجتماعي البسيط.
ومن جهة أخرى فإن الإقرار بجهلك يمكن أن يرفع أيضاً مستوى قدرتك على التعلم على المدى البعيد، كما ظهر في عدة تجارب قام بها فريق كورنيل الذي يقول أن ذلك ربما يعود إلى حقيقة أن محاولتك الأولية لاستدعاء معلومات غير متوفرة لديك من أجل الإجابة على سؤال أو تساؤل معين تحفز الدماغ على الانخراط بشكل أكثر فعالية وكفاءة في عملية التعلم.
لكن الملفت هنا أن كورنيل لا يزعم أنه متأكد من أن هذا هو التفسير الصحيح. بل على النقيض من ذلك، فهو صريح جداً بشأن حدود معرفته، ويبدو أكثر استعداداً للإقرار بجهله من معظم الأكاديميين الذي قابلتهم.، كما يقول ريتشارد فيشر، الذي أجرى معه حواراً صحافياً نشرته مجلة نيوساينتست العلمية في عددها الأخير. وهذا لأن كورنيل قرر أن يعمل بالنصيحة التي تنص عليها نتائج أبحاثه. ولقد نشر كورنيل بالتعاون مع ليزا سون من كيلة برنارد كوليدج في نيويورك اخيراً ورقة بحث تجمع بين نتائج مختلف الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد. ومن أبرز النتائج التي خلصت إليها ورقتهما أن الإطلاع الواسع يمكن أن يجعل صاحبه يبالغ في تقدير حجم معرفته الحقيقية.
ويقول كورنيل أن الناس يظهرون في أحيان كثيرة ثقة لا أساس لها، مشيراً إلى دراسة للباحث فيليب تيتلوك من جامعة كاليفورنيا والذي أمضى عقدين وهو يراقب الخبراء كالمشتشارين الحكوميين والمحللين التلفزيونيين. وقام بتوثيق تكهنات هؤلاء الخبراء بشأن مجريات الأحداث في مجال خبرتهم، ثم قارنها بما حدث بالفعل في الواقع. ووجد تيدلوك أن دقة هؤلاء المختصين كانت سيئة جداً، لدرجة أنها في بعض الأحيان لم تكن أفضل من التخمين العشوائي من بين مجموعة من الخيارات، وقلما كانت أفضل من تنبؤات الأشخاص الذين لديهم معرفة متواضعة جداً بمجال اختصاص أولئك الخبراء.
