رغم الضجة الإعلامية الكبيرة التي استقبلت بها تقنية ما يعرف بـ "معطف التخفي" إلا أنها خسرت الكثير من مؤيديها في الأوساط العلمية نظراً لصعوبة استخدامها في أية تطبيقات عملية. لكن يبدو الآن أن الأفكار العلمية الأساسية التي استندت إليها تلك التكنولوجيا يمكن أن يكون لها تطبيق عملي مهم يتمثل في حماية المناطق الممتدة على الخطوط الساحلية من الأمواج المدمرة.
وتشير أبحاث جديدة إلى أن بعض الأفكار المستلهمة من فيزياء أشباه الموصلات وتقنية ما يعرف بـ «الميتامتيريال»، وهي المواد التركيبية التي تتم هندستها صناعياً لتمتلك خصائص غير متوفرة في المواد الطبيعية - وهي التكنولوجيا التي تقف وراء "معطف التخفي" - ربما تمكن العلماء من إيجاد حزام آمن أمام السواحل المعرضة للخطر، لا تبلغه الأمواج بترددات معينة. ويمكن استخدام مثل هذه النظام أيضاً كمحطة طاقة.
وطورت مواد «الميتاماتيريال» أول مرة قبل نحو عشرة أعوام. وهي تستخدم عادة سلسلة من المرنانات الصغيرة الشبيهة بالهوائيات للتأثير على انتشار الموجات الكهرومغنطيسية وتحويلها إلى مسارات جديدة، مما يدفعها إلى إظهار سلوك فيزيائي غريب.
والآن توصل شينهوا هاو وزملاؤه في جامعة فودان بمدينة شنغهاي الصينية إلى طريقة لإيجاد "مناطق حظر أمواج" على السواحل لا تستطيع بعض أنواع الأمواج بلوغها، ويمكن استخدامها في ذات الوقت كمحطات لتوليد الطاقة من قوة الأمواج. ويقترح فريق شينهوا استخدام مجموعة متعامدة على شكل مستطيل من الأسطوانات المرنانة يتم ثبيتها في قاع البحر في المياه الساحلية.
ويتم تقسيم كل أسطوانة بشكل عمودي إلى أرباع أقواس دائرية تمتلئ بالماء، ثم تقوم بتفريغه تلقائياً، بحسب مستوى الماء حولها. ومع ان الاسطوانات ساكنة تماماً، إلا ان هذه الديناميكية المتواصلة لامتلاء الاسطوانات وتفريغها تمثلاً شكلاً من أشكال من التذبذب، هي بذلك شبيهة بالمذبذبات الكهرومغناطيسية التي تتداخل مع أمواج الضوء في معطف التخفي.
وبالتحكم بعرض الشقوق الطولية، وحجم الأسطوانات والفراغات الفاصلة فيما بينها، يمكن ضبط النظام، بحسب شينهوا، بحيث يتصدى للأمواج المتواترة بتردد معين، بحيث يقوم بامتصاصها وهي في ذروة قوتها، ثم تفريغها بشكل أضعف، وكأنه يقوم بتفكيك تلك الأمواج.
وباستخدام مجموعات أسطوانات بأحجام مختلفة ومسافات تباعد مختلفة، ربما يكون بالإمكان صدّ أمواج بترددات مختلفة وربما حتى صد أمواج التسونامي، على نحو يسهم في حماية المناطق الساحلية الواقعة ورائها، كما يقول شينهوا.
وهذه الآلية وحدها لن تنزع طاقة الأمواج العملاقة، بل سينتج عنها أمواج ارتدادية لكن في الاتجاه المعاكس. أو يمكن، كما يأمل شينهوا، استثمار الطاقة المتولدة عن الأمواج المفككة لتوليد الطاقة الكهربائية، إذا تم امتصاصها بواسطة جهاز مثبت داخل الأسطوانات نفسها. وبناء على حسابات السيناريو المثالي، الذي تكون فيه جميع الأمواج ذات تردد واحد، يمكن نظرياً ارتداد أو امتصاص 90 بالمئة من طاقة الأمواج بواسطة النظام.
ولقد عرض فريق شينهوا آلية عمل الفكرة باستخدام برنامج تمثيل حاسوبي وتجربة في حوض مائي مختبري، حيث وضع الباحثون أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي مصغرة متباعدة بمسافة 12 ميليمترا في وعاء ماء بعمق 8 ميليمترات. وعندما اختبروا الأمواج ذات الترددات المختلفة في هذا النظام المصغر، استطاعوا إيجاد «منطقة حظر» للأمواج بتردد 4.2 موجة بالثانية.
ويقول سباستيان جونو، من جامعة ليفربول، الذي يعمل أيضاً على تطوير نظام مشابه لحماية المناطق الساحلية من الأمواج المدمرة وآخر لحماية الأبنية من أمواج الهزات الأرضية إن هذا المقترح يقدم تحويراً ممتازاً لفكرة التأثير في الأمواج الضوئية المستخدمة في المعطف الخفي إلى فكرة التأثير بالأمواج المائية." ويقوم جونو أيضاً باختبار نسخته الخاصة من نظام حماية الشواطئ في بيئة مختبرية في مارسيليا بفرنسا.
لكن في المقابل هناك من يشكك بقدرة هذه الأبحاث على ترجمة الفكرة إلى تطبيقات عملية لها فائدة حقيقية خارج المختبر. ومن هؤلاء شيانغ ماي، استاذ علم هندسة المحيطات وفيزياء السوائل في معهد مساشوستس للتنولوجيا، والذي لا يبدو مقتنعاً بأن تصميم شينهوا المقترح سينجح عندما يتم تطبيقه على مستوى كبير للتعامل مع الأمواج بالحجم الحقيقي، ناهيك عن أمواج التسونامي. ويقول ماي حتى لو نجحت بالفعل بالحصول على مثل هذا التأثير على نطاق صغير في المختبر، فإن التبنؤ به عند تطبيقه على نطاق كبير في المحيطات أمر شديد التعقيد. معطف التخفي
في 2006، استخدم فريق أمريكي بريطاني بقيادة جون بندري من كلية لندن الملكية تقنية صد الأمواج في ابتكار معطف التخفي: وهو عبارة عن سلسلة من الترددات تحصر الأمواج الضوئية وتمررها حول جسم معين، فتجعله بذلك يختفي عن الأنظار، لكن فقط ضمن طيف الأمواج الكهرومغناطيسية التي تسمى أيضاً أمواج «المايكروويف». وبعد ذلك بنحو سنة، قام فريق آخر بتوسيع التصميم بحيث يعمل مع الأمواج المرئية أيضاً. لكن النظام تمكن فقط من "إخفاء" الأجسام ثنائية الأبعاد التي لا يتجاوز عرضها عن 10 ميكروميترات، وهي أجسام تكاد تكون غير مرئية أصلاً.
