توصل العلماء إلى تطوير هيكلية مقياس طيفي ميكروسكوبي تستخدم مرنانات بالغة الصغر شبيهة بأقراص الكمبيوتر المضغوطة، مما يمهد لتجاوز تحديات أنظمة الاستشعار المدمجة التي تعرف باسم "مختبر على رقاقة" والتي تتطلب الآن استخدام مقياس طيفي ضخم خارج الرقاقة الذكية لتحقيق دقة عالية في الصور الطيفية.

ولطالما كانت المقاييس الطيفية تقليدياً عبارة عن أجهزة ضخمة باهظة التكلفة توضع على الطاولة المخبرية وتستخدم لرصد وتحديد ماهية الجزيئات المختلفة داخل عينة عن طريق تسليط شعاع من الضوء على تلك العينة وقياس الأطوال الموجية المختلفة للضوء المنبعث عنها أو الممتص فيها. ولقد نجحت الجهود السابقة الرامية لنمنمة المقاييس الطيفية في تقليص حجمها وتكلفتها، لكن ذلك كان على حساب درجة دقة الصور الطيفية الناتجة.

وقال البروفيسور علي أديبي، من كلية هندسة الكهرباء والكمبيوتر في معهد جورجيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة بالنسبة للمقاييس الطيفية، من الأفضل دائماً أن تكون صغيرة ورخيصة من أن تكون ضخمة وباهظة التكلفة بشرط تحقيق معايير جودة الأداء الضوئي. والآن أصبح بإمكاننا تحقيق درجة وضوح عالية ونطاق موجي عريض باستخدام مقياس طيفي مضغوط مدمج في رقاقة ذكية واحدة، وذلك من خلال استخدام مجموعة مرنانات تشبه أقراص دونت مجهرية، يبلغ طول نصف قطر الواحد منها ميكرونين فقط، أي جزئين من ألف من الميليمتر.

ولقد حقق المقياس الطيفي المدمج في رقاقة مؤلفة من 81 قناة، والذي صممه المهندسون في جورجيا تيك، دقة وضوح بدرجة 0.6 نانومتر ضمن نطاق موجي يتجاوز 50 نانومتر وببصمة لا تتجاوز مساحتها ميتليمتر مربع واحد. ويمكن دمج هذه الأداة الصغيرة البسيطة مع أجهزة أخرى، كالحساسات، والإلكترونيات البصرية، والإلكترونيات الميكروسكوبية وأقنية السوائل المجهرية للاستخدام في التطبيقات البيولوجية والكيميائية والطبية وفي الصناعات الدوائية.

وكشف عن تفاصيل بنية المقياس الطيفي الميكروسكوبي الجديد في ورقة بحث نشرت في 20 يونيو الماضي في مجلة «أوبتكس إكسبرس» المتخصصة في التقنيات الضوئية. وحظي البحث بدعم مكتب سلاح الجو الأمريكي للأبحاث العلمية ووكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة التابعة أيضاً للقوات المسلحة الأمريكية.

وقال ريتشارد سوريف، أحد العلماء في مختبر الأبحاث التابع لسلاح الجو الأمريكي في قاعدة هانسكوم الجوية والذي لم يشترك بشكل مباشر في البحث إن «هذه الهيكلية الجديدة للمقياس الطيفي تبدو واعدة جداً لأن عامل جودة المرنانات الميكروسكوبية الدائرية أعلى من جميع نظائره السابقة من الحجم ذاته».

وأضاف أن «امتلاك مثل تلك المرنانات الصغيرة ينطوي أيضاً على ميزة أخرى تتمثل في إمكانية رصّ أعداد كبيرة منها على رقاقة ذكية واحدة، مما يتيح القياس ضمن نطاق طيفي أعرض«.

ويعمل فريق البروفيسور أديبي الآن على تطوير الجيل التالي من هذه المقاييس الطيفية، والذي يتم تصميمه بحيث يحتوي على عدد يصل إلى 1000 مرنان ويحقق دقة وضوح تصل إلى 0.15 نانومتر مع نطاق طيفي يبلغ 150 نانومتر وبصمة لا تتجاوز 200 ميكرومتر مربع.

ولقد قام أديبي ومعه طالب الدراسات العليا شيهوان سيا ومهندس الأبحاث علي إفتخار والمهندسان باباك موميني وسيفا يغارنارايانان بتصميم وبناء المقياس الطيفي الميكروسكوبي باستخدام عمليات تصنيع متوافقة مع أساليب صنع رقائق "سيموس" الحاسوبية. وكان العنصر المكون الأساسي الذي استخدمه الباحثون في بناء هذا الجهاز سلسلة من المرنانات الدائرية المنمنمة، وهي في جوهرها عبارة عن أقراص ميكروسكوبية مثقبة في مراكزها.

وقام الباحثون بضبط الأطوال الموجية للمرنانات المجهرية المختلفة عن طريق تعديل شكلها الهندسي. وبينما كان الرنين حساساً جداً للتباينات في القطر الخارجي لتلك الأقراص، فقد تمكن الفريق من التحكم بعملية الضبط تلك عن طريق تعديل القطر الداخلي. ولقد تم تصميم المرنانات القرصية الميكرسكوبية بعناية فائقة بحيث يستقبل كل منها حيزاً صغيراً من الطيف الضوئي القادم، بما يتيح قياس كامل النطاق الطيفي للأطوال الموجية المطلوبة بشكل فوري.

ومن المزايا الأساسية التي يتسم بها تصميم المقياس الطيفي الميكروسكوبي، بحسب الباحثين، إمكانية التحكم بشكل مستقل بدقة وضوح والعرض الموجي لكل قناة من أجل التطبيقات المختلفة. ويمكن لهذا الجهاز أن يغطي نطاقاً عريضاً من الأطوال الموجية من 1 إلى 3 ميكرومتر تقريباً. كما إن تعديل التصميم نفسه ليعمل على قاعدة من نترات السليكون سيتيح بناء مقاييس طيفية لتطبيقات الضوء المرئي.

وأشار أديبي إلى أن «المقياس الطيفي الميكروسكوبي الذي طورناه ربما يتيح الاستعاضة عن المقاييس الضخمة ذات الدقة العالية والعرض الموجي الكبير بمقاييس مدمجة منمنمة لا يتجاوز حجم الواحد منها حجم القطعة النقدية المعدنية«.

وختم قائلاً: «جهازنا يتمتع بالقدرة على العمل بدرجات وضوح عالية، ويتميز بوزنه الخفيف وحجمه المضغوط وسرعته العالية وتغطيته لنطاق ديناميكي كبير من الأطوال الموجية تجعله ملائماً للاستخدام في العديد من التطبيقات العلمية والصناعية«.