تشير دراسة حديثة نشرتها مجلة "نيتشر" في عددها الأخير إلى أن ألسنة الجليد المنطلقة من سطح القمر "انسيلادوس" - والتي تشكلت منها الحلقة الخارجية الشفافة المحيطة بكوكب زحل - يرجح أن تكون قد نشأت عن بحر جوفي موجود تحت سطح القمر يستحضر في الأذهان صوراً من رواية "رحلة إلى مركز الأرض" للمؤلف الفرنسي جول فيرن.

تحيط بزحل أربع حلقات رئيسية مشكلة من قطع صغيرة من كرات الثلج والغبار تبلغ درجات الحرارة فيها حوالي 180 درجة مئوية الى 200 درجة تحت الصفر، وذلك في المناطق التي لا تصل إليها أشعة الشمس بسبب ظلال الكوكب.

وتظهر الدراسة أيضاً أن الينابيع الفوارة التي تنبعث منها ألسنة الجليد تلك يغذيها مصدر حرارة غامض لم يشهد علماء الفلك له مثيلاً في المجموعة الشمسية بأكملها.

وإذا ثبتت صحة هذه النتائج، لدى إخضاعها لمزيد من التمحيص، فقد تشير ضمنياً أيضاً إلى أن قمر انسيلادوس الذي تغلفه قشرة جليدية بعيداً عن "حزام الحياة" القريب من الشمس يمكن أن يؤوي تحت سطحه بيئات ملائمة لنمو أبسط أشكال الحياة.

ومع أن فكرة وجود بحر جليدي تحت سطح انسيلادوس ليست جديدة بحد ذاتها، إلا أن كل التفسيرات التي سيقت من قبل لظاهرة الألسنة الجليدية المنبعثة من سطح هذا القمر لم تبن على احتمال وجود ماء سائل تحت سطحه، وذلك نظراً لعدم توفر أية دلائل قبل الآن تشير إلى هذا الأمر، كما يوضح ساشا كيمب، عالم الكواكب في جامعة كولورادو الأمريكية، وهو عضو في فريق الأبحاث الذي نشر نتائج الدراسة الجديدة.

لكن بتحليل العينات الجليدية التي جمعتها مركبة ناسا "كاسيني" من الألسنة المنبعثة من سطح انسيلادوس، استطاع الباحثون أن يحددوا أن 99 بالمئة من كتلة تلك الألسنة عبارة عن جليد غني بالأملاح.

ومن المعروف أن أسهل طريقة لوصول الملح إلى الماء عملية الرشح التي تحدث عندما يمر الماء عبر الصخور على مدار فترات طويلة من الزمن. وهي عملية شبيهة بطريقة وصول الملح إلى محيطات الأرض.

 

نتائج

ويقول الدكتور كيمب إن النتائج الجديدة تشير إلى أن التفسير "الجاف" للغز الينابيع الفوارة «لم يعد الآن مطروحاً على الطاولة، فلقد استبعدت الطبيعة هذا الخيار".

وتستحضر هذه النتائج صورة بحر متوار في كهف كبير تحت سطح القمر انسيلادوس، لكن الباحثين لا يعرفون ما إذا كان ذلك البحر يحيط بالقمر من كل جوانبه أم أنه موجود بشكل موضعي فقط قرب القطب الجنوبي.

وبحسب النموذج التمثيلي الذي اقترحه فريق الأبحاث، فإن الماء يغلي متصاعداً من سطح البحر الجوفي، إلى بيئة شبه خاوية. ولدى تفجر فقاعات الماء هناك، يتجمد رذاذها على شكل بلورات شديدة الصغر تتدفق إلى الأعلى مع الغازات المتصاعدة عبر الصدوع في القشرة الجليدية للقمر انسيلادوس. وتجد هذه النتائج الجديدة صدى لدى أحد العلماء الذين ساعدوا على صياغة التفسير "الجاف" للألسنة الجليدية، في ورقة بحث نشرت في 2006. وقال جون سبينسر، من معهد أبحاث ساوث ويست في بولدر بولاية كولورادو الأمريكية، "أنا أفضل التفسير المباشر. درجات الحرارة الدافئة التي يوحي بها الماء السائل كفيلة بتوليد ما يكفي من الضغط لدفع ألسنة الجزيئات الجيلدية إلى الأعلى".

وإذا صحّ هذا التفسير، فإنه يشير إلى أن القمر انسيلادوس يضم بيئة مواتية على الأقل لنشوء أبسط أشكال الحياة، فالماء السائل يشير إلى وجود مصدر للطاقة، بينما يعتبر الماء نفسه مكوناً ضرورياً للحياة العضوية.

وحتى إذا وضعنا مسألة الحياة جانباً، تبقى النتائج الأخيرة ذات أهمية خاصة، فالقمر انسيلادوس يعتبر واحداً من أربعة أجسام سماوية فقط في المجموعة الشمسية تظهر نشاطاً بركانياً، أو نشاطاً بركانياً جليدياً. والأجسام الأخرى هي الأرض وقمر "أيو" التابع للمشتري وقمر "تريتون" التابع لكوكب نبتون.

 

تكهنات

وقد لاحظ فريق الباحثين، الذين يقودهم فرانس بوستبورج من جامعة هايدلبيرج الألمانية، من خلال تحليل الصور والبيانات التي جمعتها المركبة كاسيني لدى مرورها بقرب حلقات القمر انسيلادوس ان كمية الطاقة التي تغذي انطلاق ألسنة الجليد إلى الأعلى تتجاوز كمية الحرارة المقدرة من المصدرين "الجافين" اللذين تكهنت بهما الدراسات السابقة، ألا وهما اضمحلال النشاط الإشعاعي للصخور الموجودة في نواة القمر والحرارة الناتجة عن الاحتكاك بين قوى الشد الجاذبي لزحل وأقماره الأخرى. مفاجأة كبرى

 

كشف أيضاً تحليل البلورات الجليدية في الحلقة الخارجية المحيطة بزحل عن مفاجأة كبرى، فمع أن الكم الأكبر من الجليد الموجود في تلك الحلقة فقير بالأملاح، إلا أن بعض جزيئاته غنية بالملح. واستنتج الباحثون من هذا أن الينابيع الفوارة التي تنطلق منها ألسنة الجليد ربما يكون مصدرها بحر مياه تحت السطح على اتصال مباشر بالصخور الباطنية في نواة القمر، التي قد تكون مصدر الأملاح.

وتشير الدراسة إلى أن السبب بأن كمية الجزيئات الجليدية الفقيرة بالأملاح أكبر من كمية الجليد الغني بالأملاح ربما يعود إلى أن بلورات الجليد الغنية بالملح أثقل من الأخرى وبالتالي فهي تسقط مجدداً إلى سطح انسيلادوس.