لو بعث يوري غاغارين حياً الآن، لربما ظن أن روسيا قد كسبت سباق غزو الفضاء. هكذا استهلت مجلة فوكاس العلمية تقريراً لها نشرته في عددها الأخير عن حال صناعة الفضاء الأميركية في الوقت الحاضر.

صحيح أن الولايات المتحدة تخطت رحلة غاغارين بإرسال ست رحلات إلى القمر، ومن ثم بناء أسطول من المكوكات الفضائية إضافة إلى وضع مختبر علمي مهيب في المدار حول الأرض ممثلاً في المحطة الفضائية الدولية. لكن الآن وبعد مرور 50 عاماً على دخول غاغارين التاريخ كأول إنسان يحلق في الفضاء، وبعد إحالة أسطول المكوكات الفضائية الأميركية بكامله إلى التقاعد، سيحتكر الروس مفاتيح إرسال الرواد البشر إلى الفضاء سنوات عدة مقبلة على أقل تقدير.

والملفت هنا أن الفجوة الزمنية بين تاريخ إنهاء خدمات آخر المكوكات الفضائية الأميركية العاملة، الذي سينطلق في رحلته الأخيرة في 28 يونيو، والتاريخ المتوقع لبناء مكوك جديد ربما تمتد خمس سنوات أو أكثر، حسب ظروف توفر التمويل. وهذا وضع مقلق بالنسبة لوكالة الفضاء الأميركية ناسا التي استثمرت 100 مليار دولار، وأكثر من 12 سنة في بناء محطة الفضاء الدولية على أمل جني فوائد ضخمة في مجال العلوم والتكنولوجيا والنمو الاقتصادي. لكن مجموعة من المتحمسين للفضاء تعمل بجدّ وعناية لأجل الوصول إلى ذلك اليوم الذي تتحقق فيه تلك الفوائد.

إنها بداية عصر الفضاء التجاري، الذي أطلقت شرارته الأولى مسابقة ديامانديس أنساري إكس، المدعومة بجائزة قيمتها 10 ملايين دولار، والتي تحدت الكيانات الخاصة ببناء وإطلاق مركبة تحمل ثلاثة أشخاص إلى الفضاء. وبعد الرحلة الأولى الناجحة، لمركبة "سبيس شيب وان"، المشروع المشترك الذي تعاون فيه مصمم الطيران بورت راتان، وبول آلين، أحد مؤسسي مايكروسوفت، وقف الطيار مايك ميلفيل على قمة السفينة الفضائية ورفع لافتة كتب عليها "سفينة الفضاء 1. الحكومة صفر", وفي حين أن مركبة "سفينة الفضاء1" بالكاد شقت بجناحيها عنان الفضاء، حيث بلغت ارتفاع 69.6 ميلاً في رحلتها الثالثة والأخيرة، التي نالت بموجبها الجائزة، فإنها مع ذلك استطاعت كسر احتكار الحكومة للرحلات الفضائية البشرية. وأعلنت ناسا بعد ذلك بعام ونيف أنها مهتمة بشراء خدمات إطلاق تجارية لإيصال شحناتها إلى محطة الفضاء الدولية. وها هي تبحث عن خدمات تجارية لنقل رواد الفضاء إلى المحطة, شركة "سبيس شيب تكنولوجيز" (سبيس إكس) واحدة من شركتين وقع عليهما اختيار ناسا لشحن إمداداتها إلى المحطة الفضائية، وهي تعتبر حالياً الشركة الوحيدة التي اختبرت مركبتها في المدار. ومع ان كبسولتها التي تحمل اسم "دراغون" ستستخدم في بادئ الأمر للشحن فقط، فإنها صممت منذ البداية لتحقيق المتطلبات الأكثر صرامة لنقل الأشخاص إلى الفضاء. وفي هذا السياق يحب إيلون ماسك، رئيس سبيس إكس وأحد مؤسسي شركة "باي بال" الشهيرة، أن يشير إلى حقيقة أن الكبسولة دراغون لها نوافذ قائلاً "لست بحاجة إلى نوافذ إذا أردت نقل مؤن الشحن فقط."

وتصعد الكبسولة دراغون إلى المدار على متن صاروخ ثنائي المرحلة طورته سبيس إكس أيضاً، يدعى "فالكون 9" يعمل على احتراق الأكسجين السائل والكيروسين. ولقد حلق الصاروخ مرتين إلى الآن، كانت آخرهما في ديسمبر الماضي عندما حمل كبسولة "دراغون" اختبارية إلى المدار. ويقول كين باورسوكس، رائد الفضاء المخضرم الذي يرأس الآن برنامج سلامة رواد الفضاء في الشركة "لو وضعت شخصاً داخل الكبسولة دراغون في رحلتها الأخيرة، لاستمتع برحلة مريحة ولطيفة من لحظة الانطلاق حتى الوصول."

وستكون الكبسولة أقرب إلى مركبات "سيوز" الروسية منها إلى المكوكات الأميركية، لكنها تستوعب سبعة رواد وليس ثلاثة، كما في سيوز. وهي تهبط إلى الأرض بواسطة مظلات، بخلاف المكوك الذي يهبط مثل الطائرة على المدرجات, لكن لا يبدو ان جميع الأطراف المهتمة مقتنعة ان الكبسولات هي الطريق الأمثل للمستقبل. وعلى سبيل المثال، فلقد طورت شركة سيرا نيفادا مركبة مجنحة سميت "دريم تشيزر" مبنية على أساس تصميم درسته ناسا في الثمانينيات والتسعينيات. ولقد منحت الشركة مركبتها الفضائية نظام دفع وقودي هجين للانفصال عن صاروخ الإطلاق في حالات الطوارئ وللمناورة في المدار. ويقول مارك سيارنجيلو، من قطاع أنظمة الفضاء في الشركة "نمتلك الآن القدرة على الانتقال إلى مدار أعلى وكفاءة أفضل عند استئناف التحرك من حالة السكون. وهذا يفتح أمامنا الكثير من الإمكانيات المهمة."

ويمكن للمركبة "دريم تشيزر"، التي يتم إطلاقها على متن صاروخ من طراز أطلس 5، أن تحمل مؤن شحن أو سبعة أشخاص أو بعضاً من كليهما. ويمكن تسييرها عن طريق تحكم الطيار أو بالتحكم الآلي. ويمكنها أن تهبط على المدرج مثل الطائرة. المستفيد الأكبر

لم تقرر ناسا بعد ما إذا كانت ستشتري رحلة "دريم تشيزر"، على طريقة خدمة التاكسي، أم ستستأجر المركبات الفضائية التجارية، على طريقة استئجار السيارة. لكن إلى أن تصل تلك الشركات إلى مرحلة الجاهزية الكاملة وتحصل على كافة الموافقات التقنية والإدارية للبدء بتسيير رحلات مأهولة إلى الفضاء، سيبقى المستفيد الأكبر من هذا الوضع الحكومة الروسية التي وقعت مع ناسا في مارس الماضي عقداً بقيمة 753 مليون دولار لنقل 12 رائد فضاء من وإلى المحطة الدولية في 2014 و2015.